بقلم د.سعاد فقيري ﴿إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾... فهل يعود السودان؟
تمر الأوطان، كما يمر الأفراد، بأيام رخاء وأيام شدة، وتتعرض للابتلاءات كما تتعرض لها النفوس. وما يعيشه السودان اليوم من حرب، ودمار، ونزوح، وتمزق، ليس قدراً أبدياً، وإنما مرحلة من مراحل التاريخ، يمكن أن تنتهي إذا صدقت النيات، واجتمعت الإرادات، وعاد الجميع إلى صوت العقل والضمير. حين نقرأ قول الله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾، نستحضر عظمة قدرة الله سبحانه وتعالى، فهو القادر على أن يعيد الحياة بعد الموت، وأن يبدل الخوف أمناً، والضعف قوة، والفرقة وحدة. وهذا المعنى يمنح المؤمن أملاً لا ينقطع، ويقيناً بأن ما ضاع يمكن أن يعود إذا أخذ الناس بالأسباب وتوكلوا على ربهم. لكن السؤال الذي يجب أن يهز ضمائرنا جميعاً هو: هل نريد حقاً أن يعود السودان؟ هل نريده وطناً يتسع للجميع، أم ساحةً للصراع وتصفية الحسابات؟ هل نريده بلداً يبني المدارس والمستشفيات، أم يحصي كل يوم أعداد القتلى والنازحين؟ هل نريد أن يعود المزارع إلى حقله، والطالب إلى جامعته، والطبيب إلى مستشفاه، والموظف إلى مكتبه، أم نستسلم لفكرة أن الخراب هو المصير؟ إن السودان لا تنقصه الثروات، بل يحتاج إلى يقظة الضمائر. أرضه خصبة، ومياهه غزيرة، ومعادنه وافرة، وشعبه عُرف بالكرم والصبر والشهامة. ولكن الأوطان لا تبنى بالموارد وحدها، وإنما تبنى بالإخلاص، والعدل، وسيادة القانون، وتقديم المصلحة العامة على المصالح الضيقة. لقد آن الأوان أن يسأل كل سوداني نفسه: ماذا قدمت لوطني؟ وهل كنت جزءاً من الحل أم جزءاً من المشكلة؟ فالأوطان لا تنهض بالشعارات، وإنما تنهض بالعمل، ولا يحميها السلاح وحده، بل يحميها الوعي، والوحدة، والضمير الحي. إن التاريخ يعلمنا أن أمماً خرجت من تحت الأنقاض، ثم أصبحت من أقوى دول العالم، لأنها آمنت بأن المستقبل يصنعه أصحاب الإرادة، لا أسرى اليأس. والسودان ليس أقل قدرة من تلك الأمم إذا صدقت العزائم، واجتمع أبناؤه على كلمة سواء. إن رجعة السودان لن تكون معجزة تنزل من السماء دون عمل، بل ستكون ثمرة التوبة من أخطائنا، والاعتراف بتقصيرنا، والعودة إلى قيم الصدق، والأمانة، والعدل، والمحبة، واحترام الإنسان، والعمل الجاد لإعادة بناء الدولة ومؤسساتها. فلنجعل هذه الآية الكريمة باباً للأمل، لا للتواكل؛ ودعوةً للإصلاح، لا مجرد أمنية. فالله سبحانه قادر على أن يرد السودان إلى أمنه وعزه، ولكن سننه في الكون تقتضي أن يغير الناس ما بأنفسهم أولاً. اللهم يا من قلت في كتابك الكريم: ﴿إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾، نسألك أن ترد السودان إلى أهله رداً جميلاً، وأن تؤلف بين القلوب، وتحقن الدماء، وتحفظ البلاد والعباد، وأن تجعل مستقبل السودان خيراً من ماضيه، إنك على كل شيء قدير.
مشاركة الخبر علي :