من الدبلوماسية إلى التنمية... لماذا تمثل لقاءات السفير عماد عدوي بداية لمرحلة جديدة في العلاقات السودانية المصرية؟ بقلم: د. سعاد فقيري
لا يمكن قراءة اللقاءات التي أجراها السفير الفريق أول ركن مهندس عماد الدين مصطفى عدوي مع المسؤولين السودانيين والمصريين في القاهرة باعتبارها لقاءات بروتوكولية عابرة، بل هي جزء من حراك دبلوماسي يستهدف الانتقال بالعلاقات السودانية المصرية من مرحلة إدارة آثار الحرب إلى مرحلة صناعة مستقبل السودان.
فخلال الفترة الأخيرة، برزت لقاءات تناولت ملفات إعادة الإعمار، والبنية التحتية، والنقل، والتخطيط الاقتصادي، والعودة الطوعية للسودانيين، والتدريب المهني، والرعاية الاجتماعية، وهي ملفات ترتبط مباشرة بمرحلة التعافي الوطني.
إن أهمية هذه التحركات تكمن في أنها تؤسس لرؤية جديدة، تجعل من مصر شريكاً استراتيجياً في إعادة بناء السودان، مستفيدة من الخبرات المصرية في مجالات الطرق والكباري، والتخطيط العمراني، والإصلاح الإداري، والتحول الرقمي، والتعليم الفني، والرعاية الصحية.
وقد جاءت التصريحات المتعلقة بزيارة وزير النقل المصري إلى السودان لتؤكد أن التعاون لن يقتصر على التنسيق السياسي، بل سيمتد إلى تنفيذ مشروعات حقيقية في النقل والربط السككي والملاحة النهرية، وهي قطاعات تمثل العمود الفقري لأي نهضة اقتصادية بعد الحرب.
وفي الوقت نفسه، فإن لقاءات السفير عدوي مع المسؤولين السودانيين ركزت على قضايا العودة الطوعية، ودعم السودانيين المقيمين بمصر، والعلاج، والتدريب المهني، بما يعكس فهماً بأن إعادة إعمار الإنسان تسبق إعادة إعمار الحجر، وأن المواطن هو محور التنمية الحقيقي.
إن السودان بعد الحرب لن يحتاج إلى مساعدات مؤقتة فحسب، بل إلى شراكات تنموية طويلة الأمد، ومصر تمتلك من الخبرات والمؤسسات والشركات ما يؤهلها لتكون شريكاً رئيسياً في هذه المرحلة، خاصة في مجالات البنية التحتية، والطاقة، والإسكان، والتعليم، والزراعة.
كما أن نجاح هذه الشراكة سيحقق مكاسب مشتركة؛ فاستقرار السودان يمثل عمقاً استراتيجياً لمصر، بينما يفتح التعاون الاقتصادي آفاقاً جديدة للتجارة والاستثمار والربط الإقليمي بين وادي النيل.
إن الرسالة التي تحملها لقاءات السفير عماد عدوي واضحة: العلاقات السودانية المصرية تدخل مرحلة جديدة، عنوانها التنمية بدلاً من إدارة الأزمات، والشراكة بدلاً من ردود الأفعال، وبناء المستقبل بدلاً من الاكتفاء بمعالجة آثار الحرب.
ويبقى التحدي الحقيقي هو تحويل نتائج هذه اللقاءات إلى برامج تنفيذية وجداول زمنية ومشروعات ملموسة يشعر بها المواطن السوداني والمصري على حد سواء، لأن قوة الدبلوماسية لا تقاس بعدد الاجتماعات، وإنما بما تنتجه من تنمية واستقرار وازدهار.
واليوم، أكثر من أي وقت مضى، يحتاج السودان ومصر إلى بناء نموذج للتكامل يقوم على المصالح المشتركة، ويؤسس لمرحلة يصبح فيها إعمار السودان مشروعاً عربياً وإقليمياً، تتقدم فيه مصر بخبرتها وإمكاناتها، ويتقدم السودان بموارده وموقعه وإرادة شعبه، لتكتب الدولتان معاً فصلاً جديداً من تاريخ وادي النيل.
مشاركة الخبر علي :