التراضي الوطني... الطريق إلى استعادة الدولة السودانية الصلح الأهلي... فلسفة إفريقية لبناء الدولة بعد الحرب ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا﴾ ✍️ د. الشاذلي عبداللطيف
لا تنهض الأمم عندما تضع الحروب أوزارها فحسب، وإنما عندما تتصالح القلوب، وتعود الثقة بين الناس، ويصبح الوطن أكبر من القبيلة، والعدالة أسمى من الانتقام، والمصلحة العامة مقدمة على المصالح الخاصة. فالتاريخ يعلمنا أن الجيوش تستطيع أن تحسم المعارك، لكنها لا تستطيع وحدها أن تبني السلام، لأن السلام الحقيقي يولد في ضمير المجتمع قبل أن يكتب في الاتفاقيات، ويترسخ في النفوس قبل أن ينص عليه الدستور. ولهذا فإن التحدي الأكبر الذي يواجه السودان اليوم لا يتمثل في إعادة إعمار ما هدمته الحرب، وإنما في إعادة بناء الإنسان السوداني، واستعادة النسيج الاجتماعي الذي ظل عبر التاريخ أعظم مصادر قوة هذا الوطن.
لقد عرفت القبائل السودانية، منذ مئات السنين، فلسفة متقدمة في إدارة النزاعات، تقوم على الحكمة، والجودية، والشورى، والوفاء بالعهد، وصيانة الدماء، واحترام الكلمة. وكانت الإدارة الأهلية، ممثلة في النظار والعمد والمشايخ والأجاويد، تؤدي دور الدولة في كثير من المناطق، فتحفظ الأمن، وتجمع الكلمة، وترد المظالم، وتطفئ الفتن قبل أن تتسع. ولم تكن هيبتها مستمدة من قوة السلاح، وإنما من قوة العدالة، وصدق القيادة، وثقة المجتمع.
ولذلك لم تكن القعدات مجرد مجالس، وإنما مؤسسات للحوار، ولم تكن الدخالة مجرد عرف اجتماعي، وإنما ميثاقا لحماية الإنسان وصون كرامته، ولم يكن القلد والصلح ورد الحقوق طقوسا قبلية، بل منظومة متكاملة لإدارة المجتمع، أثبتت قدرتها على منع النزاعات، وإعادة العلاقات إلى طبيعتها، وترميم ما تمزق من النسيج الاجتماعي. وكانت القبائل تقول إن "الكلمة دين، والعهد أمانة، والصلح سيد الأحكام"، وهي قيم لا تزال قادرة على الإسهام في بناء السودان الحديث.
ولعل التجارب الإفريقية تقدم للسودان دروسا تستحق التأمل. ففي رواندا، وبعد واحدة من أبشع المآسي الإنسانية، لم تبدأ الدولة بإعادة بناء المباني، وإنما بدأت بإعادة بناء الثقة، وتعزيز الهوية الوطنية، وترسيخ ثقافة المصالحة، حتى أصبحت نموذجا إفريقيا في الأمن والتنمية. وفي جنوب إفريقيا، اختير طريق الحقيقة والإنصاف بدلا من الانتقام، فأصبحت لجنة الحقيقة والمصالحة مدرسة عالمية أكدت أن الاعتراف بالمظالم، وإنصاف الضحايا، وفتح أبواب التسامح، هي الأساس الذي يقوم عليه السلام المستدام.
كما أثبتت سيراليون وليبيريا وغانا أن القيادات التقليدية ليست منافسا للدولة، وإنما شريك أصيل في استقرارها. فقد نجحت هذه الدول عندما جمعت بين قوة المؤسسات الرسمية، وحكمة الزعامات المجتمعية، وإرادة المواطنين، فأصبح التنوع مصدر ثراء، لا سبباً للصراع. وهذه التجارب تؤكد أن الدولة الذكية لا تلغي مؤسساتها الاجتماعية، بل تطورها، وتستثمرها في تعزيز السلم الأهلي.
ويمتلك السودان ما هو أعمق من ذلك كله؛ فهو يملك إدارة أهلية عريقة، وطرقا صوفية نشرت قيم المحبة والتسامح، وعلماء وحكماء حملوا رسالة الإصلاح، ونساء لعبن أدوارا كبيرة في رأب الصدع، وشبابا يملكون طاقة البناء إذا أحسن توجيهها. وهذا الرصيد الاجتماعي يمثل ثروة وطنية لا تقل أهمية عن الموارد الاقتصادية، بل قد يكون الضمان الحقيقي لاستقرار الدولة.
إن بناء الدولة الحديثة لا يتعارض مع الإدارة الأهلية، وإنما يكتمل بها. فالقانون يحفظ الحقوق، والإدارة الأهلية تحفظ العلاقات، والقضاء يحقق العدالة، والأجاويد يعيدون الثقة، وعندما تجتمع هذه المنظومة في إطار الدستور وسيادة القانون، يصبح السلام أكثر رسوخا، وتصبح التنمية أكثر استدامة.
ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تستوجب إطلاق مشروع وطني شامل للتراضي الوطني، وإنشاء مجلس أعلى للصلح الأهلي، يضم الإدارة الأهلية، والعلماء، والخبراء، والجامعات، والمرأة، والشباب، ومنظمات المجتمع المدني، ومؤسسات الدولة، ليقود رؤية استراتيجية للمصالحات المجتمعية، ويؤسس لمراكز للوساطة، وينشر ثقافة الحوار، ويربط الصلح الأهلي ببرامج إعادة الإعمار والتنمية، حتى يصبح السلام ثقافة وطنية لا مبادرة موسمية.
إن أعظم استثمار يمكن أن تقوم به الدولة ليس في الحجر، بل في الإنسان، وليس في السلاح، بل في الثقة، وليس في إدارة النزاعات بعد وقوعها، بل في منع أسبابها قبل أن تنشأ. فالدولة التي تمتلك مجتمعا متصالحا، تمتلك أساسا راسخا للأمن، والتنمية، والاستثمار، والنهضة.
إن السودان يقف اليوم أمام فرصة تاريخية ليقدم للقارة الإفريقية نموذجا جديدا في بناء السلام، مستندا إلى إرثه الحضاري، ومستفيدا من تجارب الأمم، ومؤمنا بأن الإدارة الأهلية ليست صفحة من الماضي، وإنما شريك في صناعة المستقبل. وإذا التقت الإرادة السياسية مع الإرادة الشعبية، واجتمعت حكمة الإدارة الأهلية مع قوة مؤسسات الدولة، فإن السودان لن يطوي صفحة الحرب فحسب، بل سيكتب فصلا جديدا من تاريخه، عنوانه التراضي الوطني، وسيادة القانون، ووحدة المجتمع، وبناء الدولة.
حفظ الله السودان، وألف بين قلوب أبنائه، وجعل الصلح الأهلي طريقا للوحدة، والتراضي الوطني أساسا للدولة، لتبقى راية السودان عالية بوحدة شعبه، وعدالة مؤسساته، وحكمة قياداته، وإرادة أبنائه.
مشاركة الخبر علي :