*أمريكا... إمبراطورية الاتهام حين تعجز عن مواجهة الحقيقة* *أبعاد* *مصطفى بشير عيسى*
مرة أخرى تعود الولايات المتحدة إلى المسرح ذاته، وبالنص نفسه، وبالسيناريو الذي حفظه العالم عن ظهر قلب؛ اتهامات تُطلق قبل اكتمال الحقائق، وضغوط سياسية تُغلَّف بشعارات حقوق الإنسان، بينما تختفي العدالة كلما تعارضت مع المصالح الأمريكية.
ما حدث في مجلس الأمن لم يكن مجرد سجال دبلوماسي، بل كان مواجهة بين ذاكرة شعب لا ينسى، وسياسة اعتادت أن تراهن على الكذب و النسيان. فقد لقّن مندوب السودان السفير عمار محمود ممثل واشنطن درساً في التاريخ، وذكّره بأن السودان سبق أن دفع ثمن افتراءات مماثلة عندما قصفت الولايات المتحدة مصنع الشفاء بحجة إنتاج أسلحة كيميائية، قبل أن تتحول تلك الرواية إلى واحدة من أكثر الوقائع إثارة للجدل في سجل السياسة الأمريكية.
ثم جاء العراق... حيث رُفعت صور وملفات داخل مجلس الأمن، وقيل للعالم إن بغداد تمتلك أسلحة دمار شامل، فاشتعلت الحرب، وسقط مئات الآلاف من الضحايا، ثم اعترف الجميع بأن تلك الأسلحة لم تُعثر عليها. لكن بعد أن كان الخراب قد ابتلع دولة بأكملها.
اليوم يعاد المشهد بصورة تكاد تكون مطابقة. تُوجَّه الاتهامات، ويُراد لها أن تتحول إلى حقائق قبل أن يقول القضاء الدولي أو لجان التحقيق كلمتها. وكأن المطلوب من العالم أن يصدق واشنطن لمجرد أن واشنطن هي من تتحدث.
والسؤال الذي يفرض نفسه: أين كان هذا الحماس الأمريكي عندما ارتكبت المليشيا الارهابية الفظائع التي وثقتها تقارير دولية في السودان؟ أين كانت هذه الحدة أمام مشاهد قتل المدنيين، وتهجير الملايين، والاعتداء على النساء، ونهب المستشفيات، وتدمير الجامعات، وإحراق القرى؟ ولماذا تبدو لغة الإدانة انتقائية، تشتد في موضع، وتصمت في موضع آخر؟
إن المواقف الدولية لا تُقاس ببلاغة الخطابات، وإنما بميزان العدالة. وإذا كانت الولايات المتحدة تريد إقناع العالم بأنها تدافع عن القانون الدولي، فعليها أن تطبق المعايير نفسها على الإمارات ومليشيتها الارهابية، وأن تدعم تحقيقات مستقلة وشفافة في الاتهامات التى طالت المليشيا دويلة الشر، بدلاً من تحويل المنابر الدولية إلى ساحات للضغط السياسي على الشعب السودانى وجيشه الذى يدافع عن سيادة دولته
لقد أثبتت التجارب أن الحقيقة لا تُصنع داخل غرف السياسة، وأن التاريخ لا يرحم من يبني قراراته على ادعاءات لم تثبتها الأدلة. والسودان، الذي عرف مرارة الاتهامات في الماضي، لن يقبل أن يُعاد إنتاج السيناريو نفسه تحت عناوين جديدة.
إن الشعوب قد تخدعها الدعاية لبعض الوقت، لكن الوقائع تبقى أقوى من الضجيج، والتاريخ يسجل أن كثيراً من الحروب بدأت بروايات، ثم انتهت باعترافات متأخرة لا تعيد وطناً دُمّر، ولا دواءً حُرم منه المرضى، ولا أرواحاً أزهقتها قرارات اتُّخذت قبل ظهور الحقيقة.
سيبقى السودان متمسكاً بحقه في الدفاع عن سيادته، وسيظل يطالب بأن يكون ميزان العدالة واحداً، لا ميزاناً يُدار وفق المصالح، لأن الأمم لا تُبنى بالكيل بمكيالين، ولا تُصان السلم والأمن الدوليان باتهامات تسبق الأدلة، وإنما بالحق والإنصاف واحترام سيادة الدول
مشاركة الخبر علي :