*ورقة تحليلية علي ضوء السوابق الدولية والسودانية لإنهاء الحروب الأهلية* الجزء الثاني بقلم: السيد مبارك المهدي رئيس حزب الأمة
بعد أن تناول الجزء الأول من هذه الورقة المبادئ المستقرة في القانون الدولي والسوابق التاريخية لإنهاء الحروب الأهلية، ننتقل في هذا الجزء إلى استعراض التجربة السودانية نفسها، باعتبارها المرجعية الوطنية الأهم في تقييم التحفظات التي أبدتها قيادة القوات المسلحة السودانية على المشروع الأمريكي للهدنة، ولا سيما ما يتعلق بالبند السادس الخاص بتثبيت القوات في مواقعها إلى حين التوصل إلى اتفاق سياسي واستكمال الترتيبات الأمنية.
وتكتسب هذه المراجعة أهميتها من أن السودان شهد، على مدى أكثر من خمسة عقود، عدداً من اتفاقات السلام ووقف إطلاق النار والترتيبات الأمنية التي أبرمتها الحكومات السودانية المتعاقبة، وكانت القوات المسلحة طرفاً أصيلاً في التفاوض والتوقيع عليها. ومن ثم، فإن هذه السوابق الوطنية تمثل مرجعاً مهماً في تقييم أي مبادرة جديدة لإنهاء الحرب.
أثارت التحفظات التي أبدتها قيادة القوات المسلحة السودانية على المشروع الأمريكي للهدنة، ولا سيما ما يتعلق ببقاء القوات في مواقعها إلى حين التوصل إلى اتفاق سياسي وترتيبات أمنية نهائية، نقاشاً واسعاً حول مدى انطباق هذا النهج علي قوات الدعم السريع المتمردة علي الدولة .
غير أن مراجعة اتفاقات السلام ووقف إطلاق النار التي أبرمتها الحكومات السودانية المتعاقبة، ولا سيما في عهدي المشير جعفر محمد نميري والمشير عمر حسن أحمد البشير، تكشف أن هذا النهج ليس جديداً، بل يمثل القاعدة التي قامت عليها جميع اتفاقات السلام مع سودانيين حملوا السلاح وتمردوا علي الدولة خلال العقود الخمسة الماضية.
فقد أبرمت الحكومات السودانية، وشاركت فيها القيادة العامة للقوات المسلحة وكبار قادتها، سلسلة من الاتفاقات مع الحركات المسلحة التي حملت السلاح ضد الدولة. وفي جميع هذه الاتفاقات لم يكن شرط وقف الحرب هو حل قوات الحركات المسلحة أو استسلامها قبل بدء العملية السياسية، وإنما جرى الاتفاق أولاً على وقف إطلاق النار أو وقف العدائيات، مع تثبيت القوات في مواقعها أو في مناطق متفق عليها، ثم الانتقال إلى التفاوض حول التسوية السياسية الشاملة، على أن تُعالج قضايا دمج القوات وإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية في إطار الاتفاق النهائي.
*وفيما يلي أبرز هذه السوابق*:
الاتفاقيات السودانية التسع التي أبرمها الجيش السوداني مع حركات مسلحة سودانية تمردت على الدولة على مدى خمسة عقود
1. *اتفاقية أديس* أبابا 1972
أنهت الحرب الأولى في جنوب السودان بين حركة الانانيا المتمردة وحكومة السودان تم ذلك باتفاق علي وقف إطلاق النار، مع استمرار وجود قوات الأنيانيا خلال المرحلة الانتقالية، ثم دمجها تدريجياً في القوات المسلحة ومؤسسات الدولة بعد تنفيذ الاتفاق السياسي.
1. *اتفاق وقف إطلاق النار في جبال النوبة* 2002
مع القائد عبد العزيز الحلو، وبوساطة أمريكية، نص على وقف كامل لإطلاق النار، وتثبيت القوات في مواقعها، ومنع التحركات والتعزيزات العسكرية، وإنشاء آلية دولية للمراقبة، إلى حين التوصل إلى تسوية سياسية.
1. *اتفاقية السلام الشامل (نيفاشا)* 2005
أبقت على الجيش السوداني والجيش الشعبي، كلٌ في مناطقه، مع وقف عداءات ثم اتفاق سياسي كامل انشاءت بموجبه قوات مشتركة متكاملة تمركزت في العاصمة وأرجأت الدمج النهائي إلى مراحل تنفيذ الاتفاق السياسي.
1. *الاتفاق الإطاري نافع–عقار* 2011
قام على وقف العدائيات، والإبقاء على القوات في مواقعها، والشروع في مفاوضات حول الترتيبات السياسية والأمنية، دون اشتراط حل قوات الحركة قبل الاتفاق النهائي، رغم أن الاتفاق ألغي لاحقاً.
1. *مشاريع اتفاقات وقف العدائيات مع الحركة الشعبية – شمال وحركات دارفور* (أديس أبابا 2014–2016)
تضمنت وقف العمليات العسكرية، وتجميد مواقع القوات، ومنع التعزيزات، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، مع استمرار التفاوض حول الحل السياسي والترتيبات الأمنية.
1. *اتفاق جوبا للسلام* 2020
مع الجبهة الثورية (حركات دارفور)، اعترف باستمرار وجود قوات الحركات المسلحة خلال الفترة الانتقالية، بل سمح لهذه القوات بالدخول من ليبيا إلي العاصمة الخرطوم ونص على إنشاء قوات مشتركة، وأن يتم الدمج تدريجياً وفق برنامج للترتيبات الأمنية، وليس فور توقيع الاتفاق.
1. *إعلان جدة* 2023
ألزم الطرفين بوقف الأعمال العدائية، وحماية المدنيين، والانسحاب من المرافق المدنية، مع استمرار المفاوضات حول وقف إطلاق النار الشامل والترتيبات الأمنية اللاحقة.
1. *اتفاق المنامة* – 20 يناير 2024
تم الاتفاق فيه على وثيقة مبادئ وأسس الحل الشامل للأزمة السودانية بين الجيش السوداني، ممثلاً في نائب القائد العام الفريق شمس الدين كباشي، وقوات الدعم السريع، ممثلة في نائب قائدها العام الفريق عبد الرحيم دقلو. ونص الاتفاق على مشروع حل سياسي متكامل لإنهاء الحرب والانتقال إلى الحكم المدني الديمقراطي وفق مبادئ ثورة ديسمبر 2019، كما اتفق الطرفان على ابتعاد العسكريين عن السلطة والعمل الاقتصادي، وتشكيل جيش مهني واحد تُدمج فيه جميع الحركات المسلحة والدعم السريع مع الجيش السوداني، ثم الانتقال إلى تنفيذ ترتيبات أمنية تؤدي إلى جيش وطني مهني موحد في إطار الاتفاق السياسي النهائي.
1. *المشروع الأمريكي للهدنة*
يقوم على هدنة إنسانية ووقف شامل لإطلاق النار، مع تثبيت القوات في مواقعها، وإنشاء آليات للمراقبة والتحقق، ثم الانتقال إلى مفاوضات الترتيبات الأمنية والتسوية السياسية النهائية.
*الدلالة القانونية والسياسية*
إن القاسم المشترك بين هذه الاتفاقات جميعاً هو أن وقف إطلاق النار لم يكن مشروطاً بحل قوات الحركات المسلحة أو دمجها مسبقاً، وإنما كان يُعد خطوة أولى لتهيئة المناخ للتفاوض، بينما تُترك قضايا الدمج وإعادة الهيكلة والترتيبات الأمنية إلى مرحلة لاحقة تُنفذ في إطار اتفاق سياسي شامل وتحت آليات إشراف ورقابة متفق عليها.
وبذلك، فإن فكرة بقاء القوات في مواقعها خلال فترة الهدنة أو وقف إطلاق النار ليست استثناءً أدخله المشروع الأمريكي، وإنما تمثل نهجاً مستقراً في جميع اتفاقات السلام التي وقعتها الحكومات السودانية نفسها، بما فيها الحكومات العسكرية التي كانت القوات المسلحة طرفاً رئيسياً في التفاوض والتوقيع عليها.
الخلاصة
وعليه، فإن التحفظ على المشروع الأمريكي بدعوى أنه يسمح ببقاء قوات الطرف الآخر في مواقعها إلى حين استكمال العملية السياسية لا يجد سنداً في السوابق السودانية. فالنهج الذي يقترحه المشروع هو النهج ذاته الذي قبلته الحكومات السودانية المتعاقبة، ووافقت عليه القيادة العامة للقوات المسلحة في اتفاقاتها مع الحركات المسلحة منذ اتفاقية أديس أبابا عام 1972، مروراً باتفاقية السلام الشامل، وانتهاءً باتفاق جوبا وغيره من الاتفاقات.
ومن ثم، فإن تقييم أي مشروع هدنة ينبغي أن ينصب على فاعلية آليات المراقبة، والضمانات الدولية، والجدول الزمني للترتيبات الأمنية، ووسائل تنفيذ الاتفاق، لا على مجرد مبدأ بقاء القوات في مواقعها خلال المرحلة الانتقالية، لأنه مبدأ استقر في الممارسة السودانية، وأصبح جزءاً من تقاليد تسوية النزاعات المسلحة في البلاد.
ملحوظة: سيُخصص الملحق رقم (3) لتحليل تحفظ قيادة القوات المسلحة السودانية على إجراء الحوار السوداني خارج السودان، واشتراطها أن يتم داخل السودان، في ضوء السوابق السودانية والدولية
مشاركة الخبر علي :