السودان أولا 🇸🇩 جيش واحد شعب واحد ووطن واحد حرب الكرامة الثانية... لأن حماية الوطن تبدأ بحماية أبنائه ✍️ د. الشاذلي عبداللطيف
إذا كانت حرب الكرامة الأولى قد خاضها السودانيون دفاعا عن الأرض والدولة، فإن السودان اليوم يقف أمام معركة لا تقل خطورة، لأنها تستهدف الإنسان نفسه. إنها معركة المخدرات، التي تتسلل بصمت إلى البيوت، وتخطف الشباب، وتهدد الأسرة، وتستنزف المجتمع، وتسرق مستقبل الوطن.
إن إعلان الحكومة عن إنشاء مستشفى متخصص لعلاج الإدمان بولاية الخرطوم يمثل خطوة وطنية تستحق الإشادة، لكنه يجب أن يكون بداية مشروع قومي متكامل، لا نهاية المطاف. فالإدمان لم يعد حالة فردية، بل أصبح من أخطر أمراض العصر، ولم يعد الحديث عنه مقتصرا على أجهزة الشرطة أو المستشفيات، بل أصبح حديث كل مجلس، وكل أسرة، وكل أب وأم يخشيان على أبنائهما.
إن مستشفى واحد لن يكفي، فالسودان بحاجة إلى إنشاء مستشفى أو مركز متخصص لعلاج وتأهيل الإدمان في كل ولاية، يقدم العلاج الطبي والنفسي، وإعادة التأهيل، وإعادة دمج المتعافين في المجتمع، مع الحفاظ على كرامة المريض وسرية علاجه. كما يجب أن تتحول هذه المراكز إلى مؤسسات للبحث العلمي والتدريب، وأن ترتبط بكليات الطب للاستفادة من الأطباء السودانيين والخريجين، وتأهيل كوادر متخصصة في علاج الإدمان والصحة النفسية والخدمة الاجتماعية، حتى يصبح السودان قادرا على بناء خبراته الوطنية في هذا المجال.
لكن العلاج وحده لا يكفي، فالمخدرات أصبحت قضية أمن قومي، لأنها ترتبط بالجريمة المنظمة، وتهريب السلاح، وغسل الأموال، واستهداف الشباب. ومن هنا تبرز الحاجة إلى مراجعة قانون المخدرات والمؤثرات العقلية، وتشديد العقوبات على المهربين والمروجين وممولي هذه التجارة، مع مصادرة الأموال المتحصلة من هذه الجرائم، وإنشاء نيابات ومحاكم متخصصة تضمن سرعة العدالة وتحقيق الردع. فمن أمن العقوبة أساء الأدب.
كما أن المرحلة تتطلب حملات أمنية وشرطية يومية، لا موسمية، تستهدف أوكار الترويج، وخطوط التهريب، والمنافذ الحدودية، وتجفيف مصادر التمويل، مع دعم إدارات مكافحة المخدرات بالتقنيات الحديثة والتدريب المستمر، لأن حماية المجتمع تبدأ بمنع السموم من الوصول إلى أبنائه.
وفي المقابل، يجب أن ينظر إلى المدمن باعتباره مريضا يحتاج إلى العلاج والتأهيل والاحتواء، لا إلى الإقصاء، بينما يواجه التاجر والمهرب بكل قوة القانون، لأن من يتاجر بالمخدرات لا يدمر فردا واحدا، بل يدمر جيلا كاملا.
وتبقى الأسرة خط الدفاع الأول. فقد تفقد ابنك وهو لا يزال حيا؛ تراه أمامك كل يوم، لكن المخدرات تكون قد سرقت عقله، وأحلامه، ومستقبله. لذلك كن قريبا من أبنائك، وامنحهم الحوار والاحتواء، قبل أن تمنحهم الشوارع رفقة السوء.
كما يجب أن تتحول التوعية إلى مشروع وطني دائم، تشارك فيه المدارس، والجامعات، ووسائل الإعلام، والمساجد، والكنائس، والإدارة الأهلية، حتى يصبح كل مواطن شريكا في حماية شباب السودان.
إن السودان بحاجة إلى مجلس قومي لمكافحة المخدرات يقود استراتيجية وطنية موحدة، تنسق بين الأجهزة الأمنية والصحية والعدلية والتعليمية، وتضع خططا واضحة للوقاية والعلاج والردع.
لقد انتصر السودان في معركة الدفاع عن الأرض، وحان الوقت أن ينتصر في معركة الدفاع عن الإنسان. فإعادة الإعمار لا تبدأ بالإسمنت والحديد، بل تبدأ بحماية العقول، وصيانة الأسرة، وبناء جيل قادر على حمل راية الوطن. إن حرب الكرامة الثانية يجب أن تبدأ الآن، لأن حماية الوطن تبدأ بحماية أبنائه.
مشاركة الخبر علي :