بقلم د.سعاد فقيري إصلاح الخدمة المدنية... المدخل الحقيقي لبناء السودان الجديد
السيد رئيس مجلس السيادي... السيد رئيس مجلس الوزراء…
إن التاريخ لا يمنح القادة فرصًا كثيرة، ولكنه يمنحهم لحظات فاصلة يصنعون فيها مستقبل الأوطان.
والسودان اليوم يقف أمام واحدة من تلك اللحظات، بعد أن أنهكته الحرب، واستنزفت موارده، وأثقلت كاهل مؤسساته .
وأصبح في أمسّ الحاجة إلى مشروع وطني شامل يعيد بناء الدولة على أسس العدالة والكفاءة وسيادة القانون.
ولعل أولى خطوات هذا المشروع تبدأ من إصلاح الخدمة المدنية؛ فهي العمود الفقري للدولة، والعقل الذي يدير مؤسساتها، والضامن لاستمرارها مهما تبدلت الحكومات والظروف.
لقد أفرزت سنوات الحرب أوضاعًا استثنائية فرضت حلولًا مؤقتة، منها الانتدابات والتكليفات ونقل العاملين بين المؤسسات بصورة لم تراعِ دائمًا طبيعة الاختصاص أو احتياجات الوحدات الحكومية.
وربما كانت تلك الإجراءات مبررة في ظروفها، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى واقع دائم بعد عودة مؤسسات الدولة إلى العمل.
إن المرحلة المقبلة تتطلب مراجعة شاملة ومنظمة لأوضاع الخدمة المدنية، وفق القانون والمصلحة العامة .
بحيث تُعاد كل وحدة حكومية إلى بنيتها الطبيعية، ويعود كل موظف إلى مؤسسته الأصلية متى اقتضت اللوائح ذلك، مع إنهاء حالات الانتداب التي لم تعد لها ضرورة، خاصة عندما تؤثر في كفاءة المؤسسات أو تعطل فرص الكفاءات الموجودة داخلها.
كما أن من الضروري تمكين القيادات الإدارية والفنية التي تدرجت داخل المؤسسات، وعرفت نظمها ولوائحها وتحدياتها، لتتولى قيادة مرحلة إعادة البناء.
فالتدرج الوظيفي ليس مجرد سنوات خدمة، بل هو تراكم للخبرة المؤسسية، وفهم لطبيعة العمل، وقدرة على اتخاذ القرار بما يحفظ استقرار المرافق العامة.
إن المؤسسات لا تُدار بالمجاملات، ولا بالولاءات، ولا بالحلول المؤقتة، وإنما تُدار بالكفاءة والنزاهة والانضباط والالتزام بالقانون.
فكل منصب يجب أن يكون مسؤولية وطنية قبل أن يكون امتيازًا، وكل قرار إداري يجب أن يخدم المواطن والدولة قبل أي اعتبار آخر.
ومن هنا، فإن إصلاح الخدمة المدنية يستوجب إطلاق برنامج وطني متكامل يشمل:
مراجعة أوضاع جميع العاملين والانتدابات والتكليفات وفق القانون.
إعادة بناء الهياكل التنظيمية للمؤسسات بما يتناسب مع مهامها.
اعتماد الكفاءة والخبرة معيارًا للتعيين والترقية والقيادة.
حماية الخدمة المدنية من أي تدخلات غير مؤسسية.
تحديث نظم الموارد البشرية والتحول الرقمي لضمان الشفافية.
التدريب المستمر وإعداد قيادات إدارية قادرة على إدارة مرحلة التعافي وإعادة الإعمار.
تفعيل نظم الرقابة والمساءلة ومكافحة الفساد الإداري والمالي.
إن السودان اليوم لا يحتاج إلى تغيير أسماء بقدر ما يحتاج إلى تغيير منهج إدارة الدولة.
فالدول تنهض عندما تُحترم مؤسساتها، ويُصان القانون، وتُمنح الفرص لأهل الخبرة والكفاءة، ويشعر الموظف بأن اجتهاده هو الطريق إلى التقدم، لا العلاقات ولا النفوذ.
السيد رئيس مجلس السيادي... السيد رئيس مجلس الوزراء…
إن ملايين السودانيين ينتظرون دولة قوية وعادلة، ويأملون أن تكون مرحلة ما بعد الحرب بداية لعهد جديد تُبنى فيه المؤسسات على أسس راسخة .
ويُعاد فيها الاعتبار للخدمة المدنية باعتبارها مدرسة للوطنية والانضباط وخدمة المواطن.
فاجعلوا من إصلاح الخدمة المدنية مشروعًا قوميًا، ومن الكفاءة ميزانًا، ومن القانون مرجعًا، ومن العدالة أساسًا، لتعود مؤسسات السودان أكثر قوة، وأكثر قدرة على خدمة شعبها.
إن إعادة إعمار المباني ممكنة، أما إعادة بناء الإنسان والمؤسسة فهي المهمة الكبرى التي ستكتب أسماء صانعيها في سجل التاريخ.
حفظ الله السودان، وألهم قيادته الحكمة .
وجعل مؤسساته منارات للكفاءة والنزاهة، حتى يعود وطننا عزيزًا، آمنًا، معافى، كما يحلم به كل سوداني مخلص.
مشاركة الخبر علي :