بقلمد. سعاد فقيري المجلس الطبي السوداني... حين يصنع الإنجاز الثقة ويعيد الأمل لأطباء الامتياز
في زمن كثرت فيه الشكاوى، وأصبحت الأخبار السلبية تتصدر المشهد، يبقى من الإنصاف أن نكتب عن المؤسسات التي تعمل بصمت، وعن المسؤولين الذين يتركون أثرًا حقيقيًا في حياة الناس.
لم ألتقِ من قبل بالبروفيسور هشام محمد عبد الرحيم، رئيس المجلس الطبي السوداني، ولا تجمعني به معرفة شخصية، ولكن الذي دفعني إلى كتابة هذه الكلمات هو موقف عملي يستحق أن يُروى، لأن الأوطان تُبنى أيضًا بالقصص المضيئة.
ظل آلاف الأطباء السودانيين، ولا سيما أطباء الامتياز والخريجون من الجامعات خارج السودان، يعانون سنوات من تعقيدات الإجراءات، وتأخر التراخيص، وملفات التسجيل التمهيدي، وإجراءات عدم الممانعة، حتى أصبحت هذه الملفات مصدر قلق للأسر وللخريجين الذين ينتظرون بداية حياتهم المهنية.
لكن ما يحدث اليوم داخل المجلس الطبي السوداني يبعث برسالة مختلفة؛ رسالة مفادها أن المؤسسة عندما تجد قيادة تؤمن برسالتها تستطيع أن تتجاوز سنوات من التراكمات في وقت وجيز.
لقد استطاع المجلس، بقيادة البروفيسور هشام محمد عبد الرحيم، وبمساندة نائبة الرئيس، والأمين العام، وكوادر المجلس، أن يفتح صفحة جديدة عنوانها سرعة الإنجاز، واحترام المراجع، وتبسيط الإجراءات، حتى بدأت الثقة تعود تدريجيًا إلى مؤسسة كانت تحمل على عاتقها مسؤولية كبيرة.
وأكتب هذا من واقع تجربة شخصية عشت تفاصيلها مع ابنتي الطبيبة ريان عبدالقادر محمد توم، خريجة كلية طب الأسنان بجامعة القاهرة عام 2021، والتي أكملت سنة الامتياز عام 2022 بالقاهرة.
طوال أشهر كانت تتنقل مع زميلاتها بين الجهات المختلفة، تبحث عن التصديق المبدئي لمزاولة المهنة، وتواجه ردودًا محبطة وإجراءات معقدة، حتى بدا الطريق وكأنه مغلق.
لكنها رفضت الاستسلام، واتخذت قرارًا بالسفر إلى السودان بنفسها.
وصلت إلى بورتسودان قادمة عبر عمّان، ولم تكن تعرف أحدًا، واكتفت بخريطة الطريق من المطار إلى وزارة الصحة.
هناك حدثت المفاجأة…
وجدت أبوابًا مفتوحة، وموظفين متعاونين، وإجراءات تسير بسرعة، حتى اكتملت معاملتها في وقت قياسي، وتحولت رحلة القلق إلى لحظة فرح لم تستطع معها حبس دموعها.
وكانت أول رسالة أرسلتها إلى زميلاتها تقول:
“لا تسمعن للشائعات... تعالين بأنفسكن. وزارة الصحة والمجلس الطبي السوداني يقدمان خدمة راقية، ويستقبلان الأطباء بكل احترام.”
هذه الرسالة وحدها تختصر حجم التحول الذي تعيشه المؤسسة.
فالنجاح الحقيقي لأي مؤسسة لا يقاس بعدد اللوائح التي تصدرها، وإنما بعدد المواطنين الذين يغادرونها وهم يشعرون بأن الدولة أنصفتهم.
ومن هنا، فإن التحية مستحقة للبروفيسور هشام محمد عبد الرحيم، الذي أثبت أن القيادة ليست لقبًا، وإنما مسؤولية، كما تمتد التحية لنائبة رئيس المجلس، والأمين العام، وجميع العاملين الذين جعلوا خدمة الطبيب هدفًا ورسالة.
ولا يفوتني أن أخص بالشكر المهندس صبري محمد علي (العيكورة)، الذي ظل سندًا لكثير من الخريجين، يوجههم، ويفك تعقيدات الإجراءات، ويزرع الأمل في نفوس من ضاقت بهم السبل.
إن السودان اليوم يحتاج إلى تعميم هذه التجربة في كل مؤسساته؛ فحين يعمل المسؤول بروح الخدمة، تصبح المؤسسة عنوانًا للثقة، ويصبح المواطن شريكًا في البناء لا ضحية للإجراءات.
شكراً للمجلس الطبي السوداني…
شكراً لكل يدٍ أعادت البسمة إلى وجوه أطباء الامتياز…
وشكراً لكل مسؤول آمن بأن خدمة الإنسان هي أعظم إنجاز، وأن الوطن لا ينهض بالشعارات، وإنما بالإخلاص والعمل.
إنها تجربة تستحق أن تُروى، ورسالة تقول لكل طبيب سوداني: ستجد في وطنك من يفتح لك الباب، ويقدر علمك، ويمنحك حقك.
مشاركة الخبر علي :