حين تتوحّد البندقية... تولد الدولة من تعدد مراكز القوة إلى جيش سوداني وطني واحد بقلم/ د. سعاد فقيري
ليس أخطر على الدولة من أن تصبح البندقية موزعة بين مؤسسات متعددة، وليس أقوى من الدولة حين يصبح السلاح الوطني تحت قيادة وطنية واحدة، وعقيدة عسكرية واحدة، وقانون واحد.
ومن هنا فإن السؤال الذي يفرض نفسه على السودان اليوم ليس: من انتصر ومن خسر؟ وإنما: كيف نبني دولة لا تتكرر فيها الحرب؟
فالسودان الذي أنهكته الحروب وتعدد الجيوش والتشكيلات المسلحة لا يستطيع أن يدخل مرحلة البناء والإعمار بعقلية تعدد مراكز القوة. فالدولة الحديثة لا يمكن أن تقوم بجيشين، ولا بأجهزة أمنية متوازية، ولا بقوات تحمل ولاءات مختلفة.
الهدف النهائي يجب أن يكون واضحاً: جيش سوداني وطني واحد، مهني، محترف، ولاؤه للدستور والقانون والوطن، وليس للأشخاص أو الأحزاب أو القبائل أو الحركات.
الدمج ليس مكافأة للقيادات
وهنا يجب أن نكون واضحين:
دمج القوات لا يعني دمج القيادات السياسية داخل المؤسسة العسكرية.
فالمقاتل الذي حمل السلاح يمكن أن يكون له مستقبل داخل القوات المسلحة إذا استوفى الشروط المهنية والقانونية، لكن ذلك لا يعني أن قائد التشكيل المسلح يحصل تلقائياً على رتبة عسكرية تعادل موقعه السابق.
الدمج للأفراد وفق الكفاءة والانضباط والحاجة العسكرية، وليس دمج التشكيلات كما هي.
أولاً: إنشاء لجنة قومية عليا للدمج
يصدر قرار بإنشاء المفوضية القومية لإعادة هيكلة ودمج القوات، تضم عسكريين وقانونيين ومتخصصين في الموارد البشرية والعدالة الانتقالية والاقتصاد، وتعمل وفق قانون واضح ومدة زمنية محددة.
وتكون مهمتها:
حصر جميع القوات والتشكيلات المسلحة.
تسجيل الأفراد بصورة فردية.
التحقق من الهوية والعمر والسجل العسكري.
مراجعة الرتب والخبرات.
تحديد من تنطبق عليه شروط الخدمة العسكرية.
تحديد من يحتاج إلى تدريب وتأهيل.
تحديد من لا تنطبق عليه شروط الدمج.
وضع برامج التسريح وإعادة الإدماج المدني لمن لا يدخل المؤسسة العسكرية.
ثانياً: لا دمج بلا حصر كامل للسلاح
لا يمكن أن تقول الدولة إنها دمجت القوات بينما تبقى الأسلحة الثقيلة والمتوسطة والخفيفة موزعة خارج المستودعات الرسمية.
لذلك يجب أن يبدأ المسار بـ:
التسجيل → الحصر → التجميع → الفحص → التسليم → التخزين الرسمي.
وتصبح القوات المسلحة وحدها الجهة المسؤولة عن الأسلحة والذخائر والمركبات القتالية.
أما السلاح الذي لا يدخل السجل الرسمي للدولة فيُعامل باعتباره سلاحاً خارج المنظومة القانونية.
ثالثاً: الدمج على مراحل وليس دفعة واحدة
أكبر خطأ يمكن أن ترتكبه الدولة هو محاولة إدخال آلاف المقاتلين إلى المؤسسة العسكرية في يوم واحد.
الأفضل اعتماد ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: الفرز والتقييم
تقييم اللياقة البدنية، المستوى التعليمي، الخبرة العسكرية، السجل الجنائي والانضباطي، العمر، التخصص، والقدرة على الالتزام بالقوانين واللوائح العسكرية.
المرحلة الثانية: التأهيل
من يجتاز التقييم يدخل مراكز تدريب موحدة، ويتلقى تدريباً على العقيدة العسكرية الوطنية، القانون العسكري، حقوق الإنسان، الانضباط، القيادة، العمل المشترك، واستخدام السلاح وفق القانون.
المرحلة الثالثة: التوزيع
بعد اجتياز التدريب، يُوزع الأفراد داخل وحدات القوات المسلحة وفق احتياجاتها، وليس وفق التشكيلات السابقة.
وهنا تنتهي عملياً فكرة "قوة فلان" و"قوة الحركة الفلانية".
يصبح الجميع جنوداً وضباطاً في الجيش السوداني.
رابعاً: إعادة تقييم الرتب
فالرتبة السابقة لا ينبغي أن تكون معياراً آلياً للرتبة الجديدة.
بل تنشأ لجنة تقييم عسكرية مستقلة تراجع المؤهلات، سنوات الخدمة، الدورات العسكرية، الخبرة، القدرة القيادية، السجل الانضباطي، وحاجة القوات المسلحة.
وبعد ذلك تمنح الرتبة التي يستحقها الفرد وفق المعايير العسكرية.
قد يدخل قائد سابق برتبة أقل مما كان يحملها، وقد يخرج بعض الأفراد من الخدمة العسكرية أصلاً.
وهذا ليس إهانة لأحد؛ بل هو معنى المهنية العسكرية.
خامساً: فتح باب آخر لمن لا يستوعبهم الجيش
ليس كل مقاتل سابق يجب أن يصبح جندياً.
وهذه نقطة أساسية في نجاح المشروع.
ينبغي إنشاء برنامج وطني بعنوان:
"من البندقية إلى الإنتاج".
ويشمل:
التدريب المهني.
الزراعة.
التعدين المنظم.
الشرطة المدنية وفق شروطها الخاصة.
الدفاع المدني.
الخدمات الفنية.
مشاريع البنية التحتية.
المشروعات الصغيرة.
برامج تشغيل الشباب.
وبذلك لا يكون الخيار أمام المقاتل:
إما الجيش أو البندقية.
بل يصبح أمامه:
الجيش أو الحياة المدنية المنتجة.
سادساً: منع التسييس داخل القوات المسلحة
لن ينجح الدمج إذا دخلت الأحزاب إلى الثكنات، أو أصبحت الرتب العسكرية امتداداً للنفوذ السياسي.
يجب أن يكون هناك نص واضح يحظر على العسكري ممارسة النشاط الحزبي أثناء الخدمة، كما يحظر استخدام القوات المسلحة لصالح أي حزب أو جماعة أو قبيلة.
فالجيش لا يحمي حزباً.
والجيش لا يحمي قبيلة.
والجيش لا يحمي شخصاً.
الجيش يحمي السودان.
سابعاً: معالجة ملف من تورطوا في الجرائم
الدمج لا يعني الحصانة.
كل من ارتكب جرائم حرب أو جرائم ضد المدنيين أو جرائم جنائية جسيمة يجب أن يخضع للقانون، بصرف النظر عن رتبته أو موقعه السابق أو التشكيل الذي كان ينتمي إليه.
وبذلك نفرق بين:
المصالحة الوطنية
و
الإفلات من العقاب.
فالأولى ضرورة لبناء السودان، أما الثانية فهي وصفة لإعادة إنتاج الحرب.
ثامناً: توحيد العقيدة العسكرية
هذه هي المعركة الحقيقية.
فليس المطلوب فقط توحيد الزي والرتب والشارات، وإنما توحيد العقيدة العسكرية.
يجب أن يتعلم الجميع أن:
السودان وطن واحد.
والجيش مؤسسة وطنية.
والمدنيون ليسوا أعداء.
والقانون فوق الجميع.
والسلاح أداة للدفاع عن الوطن، وليس وسيلة للحصول على السلطة أو الثروة.
تاسعاً: جدول زمني واضح
أقترح ألا يكون مشروع الدمج مفتوحاً بلا نهاية، بل يوضع له جدول زمني منظم:
الأشهر الستة الأولى:
حصر وتسجيل وفرز القوات والأسلحة.
من الشهر السادس إلى الثاني عشر:
التدريب وإعادة التأهيل والتقييم.
السنة الثانية:
التوزيع داخل القوات المسلحة وبرامج التسريح وإعادة الإدماج المدني.
السنة الثالثة:
استكمال الهيكلة، وإغلاق التشكيلات المسلحة السابقة، وإعلان اكتمال منظومة القوة الوطنية الموحدة.
ويجب أن يكون التنفيذ قابلاً للقياس، لا مجرد شعارات سياسية.
عاشراً: من يضمن نجاح المشروع؟
نجاح الدمج يحتاج إلى أربعة ضمانات:
ضمانة سياسية: اتفاق وطني على أن السلاح لا يستخدم في التنافس السياسي.
ضمانة قانونية: قانون واضح يحدد شروط الدمج والتسريح والمساءلة.
ضمانة عسكرية: قيادة واحدة وهيكل واحد وعقيدة واحدة.
ضمانة اقتصادية: ميزانية كافية لاستيعاب من يدخل الجيش وإعادة تأهيل من يخرج منه.
فلا يمكن أن نطلب من آلاف الشباب تسليم السلاح ثم نتركهم بلا عمل ولا مصدر دخل.
السودان لا يحتاج إلى جيش أكبر... بل إلى جيش أفضل
ليس الهدف أن يتحول الجيش السوداني إلى مؤسسة ضخمة تستوعب كل من حمل السلاح.
الهدف هو بناء قوة عسكرية محترفة بالحجم الذي تحتاجه الدولة، وبالنوعية التي تمكنها من حماية حدودها وأمنها القومي.
فزيادة العدد ليست بالضرورة قوة.
القوة في:
الانضباط، التدريب، القيادة، التسليح المنظم، الاستخبارات، التكنولوجيا، اللوجستيات، والعقيدة الوطنية.
من تعدد البنادق إلى دولة القانون
لقد دفعت الدولة السودانية ثمناً باهظاً بسبب تعدد مراكز القوة.
ولهذا فإن مشروع الدمج ليس مجرد ملف عسكري.
إنه مشروع دولة.
فحين يكون هناك جيش واحد، تكون هناك قيادة واحدة.
وحين تكون هناك قيادة واحدة، تكون هناك مسؤولية واحدة.
وحين تكون هناك مسؤولية واحدة، يمكن محاسبة المخطئ.
وحين يمكن محاسبة المخطئ، تبدأ دولة القانون.
أما استمرار التشكيلات المسلحة المتعددة، مهما كانت نياتها، فيعني استمرار احتمالات التنافس على القوة خارج المؤسسات الدستورية.
كلمة أخيرة
السودان لا يستطيع أن يعيد بناء دولته بعقلية المليشيا، ولا أن يصنع سلاماً دائماً بتوزيع البنادق على الأطراف.
نحن بحاجة إلى معادلة جديدة:
بندقية واحدة للدولة،
جيش واحد للوطن،
قانون واحد للجميع،
وولاء واحد للسودان.
ومن هنا فإن نجاح عملية الدمج لا يقاس بعدد المقاتلين الذين دخلوا الجيش، وإنما بمدى اختفاء فكرة "القوة الخاصة" من قاموس الدولة.
فالمطلوب في نهاية الطريق ألا يقول السوداني:
“هذه قوات الحركة، وهذه قوات القبيلة، وهذه قوات القائد.”
بل يقول:
“هذا جيش السودان.”
وهنا فقط نكون قد انتقلنا:
من تعدد البنادق... إلى دولة واحدة،
ومن تعدد مراكز القوة... إلى مؤسسات الدولة،
ومن دولة الحرب... إلى دولة البناء والسلام.
مشاركة الخبر علي :