دار الريح... نزوح وجفاف! محمد التجاني عمر قش
دار الريح من المناطق الآسرة لأهلها وكل من يعرفها أو عاش فيها، وهي لذلك تهوي إليها أفئدة الشعراء ومحبي البادية وجمال الطبيعة، من أمثال محمد سعيد العباسي وابنه الصوفي العاشق والناصر قريب الله، وقريب محمد راجع، وغيرهم كثر ممن تغنى بها أو غنى لها، بالعامي والفصيح! فعندما نذكر مناطق مثل أم بادر وبارا أو الجمامة أو الكوكيتي يحن الفؤاد لهفا لمواطن الحسن والخضرة ومراتع الغزلان، ومواقع الدمر والنشوغ!
لكن دار الريح اليوم ليست كما كانت؛ فالأرض التي ألفت الترحال وراء الماء والكلأ، وأهلها الذين صبروا طويلًا على قسوة المواسم، يواجهون اليوم محنةً مزدوجة: نزوح يفرّغ الديار، وجفافٌ يرهق الأرض والإنسان، والبهائم والطير معاً. فقد غادر كثير من الناس بيوتهم بحثًا عن الأمن، وتركوا وراءهم أبوابا مؤصدة، ومواشي شُرّد بها، وحقولا تنتظر مطرا لم ينزل، وموسم الخريف الآن يوشك أن يودع. وهذا الوضع المأساوي يذكرني بقصيدة الراحل الدكتور قريب محمد راجع التي يقول فيها وهو يصف الجفاف:
في شرشار متلاب ما سمعنا جعيره
وين فرقانه وين الإلفه وين الجيره
العاديك اندفن والأصفر مصيبة كبيره
وين الخضار المشهورة بيهو دميره
ويقول أيضا في ثنايا حديثه وتصويره موجة الجفاف التي ضربت دار الريح سابقا:
عطشت القاعات وجفت الدهسيره
الرهد طرد ما بطروا فيه عميره
الكوكيتي صوَح وأنقدا حفيره
صايم ديمه غاب والنهد غاب خيره
فهل يا ترى ستكرر على دار الريح نفس تلك الحالة المؤسفة وقد جاءت مقترنة الآن بظروف الحرب والتهجير القسري من الديار؛ إذ لم يعد النزوح مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل أصبح اقتلاعًا من المكان والذاكرة ومصادر الرزق ومراتع الصبا الباكر وموطن الأجداد والأحبة. وهل ستلجأ فتيات دار الريح مرة أخرى إلى أطراف المدن ويخدمن في بيوت الناس كما قال قريب محمد راجع:
غيرها الجفاف أم خد جميلة السيرة
بقت الحلوة تخدم في المدينة أجيره
قالت يا حايد البلاء تمرقنا من ها الديرة
بقت أحلامنا يا فيتريت يا زريزيرة
والمطلوب الآن وقفة قوية من الجهات الشعبية والرسمية ومنظمات المجتمع المحلي والإقليمي والدولي من أجل تدارك الوضع قبل أن يقع الفأس على الرأس وتخرج الأمور عن نطاق السيطرة، نسأل الله اللطف وحسن التدبير.
ظلت الظروف وما تزال تعصف بدار الريح، مع كل الانتصارات الباهرة التي حققها الجيش والقوات المساندة له، ثم جاء الجفاف ليزيد الجرح اتساعا. فالمطر في دار الريح ليس ماءً ينزل من السماء فحسب؛ بل إنه حياةٌ للناس، ومرعى للماشية، وموسمٌ ينتظره المزارع والراعي على السواء. وحين يغيب المطر ويضطرب الأمن، تضيق سبل العيش، وترتفع كلفة الحياة، ويصبح البقاء نفسه امتحانا يوميا. ولذلك، فإن دار الريح لا تحتاج الشفقة، وإنما الأمن والماء والخدمات، ودعم الزراعة والرعي، وإعادة النازحين إلى ديارهم آمنين! وقد تشتد المحنة، لكن الأرض لا تفقد ذاكرتها، وأهلها لا يفقدون حقهم في العودة والحياة. وإن كانت دار الريح عطشى إلى المطر... فإنها أشد عطشا إلى الأمن اليوم. وتذكروا المثل الذي يقول: "الجري قبل الشوف قدلة".
مشاركة الخبر علي :