مجلس التنسيق السعودي -السوداني ... خطوة عملاقة نحو المستقبل (2) محمد التجاني عمر قش
العلاقات السعودية-السودانية ضاربة في القدم ، فقد جاءت في سياق تاريخ طويل من التواصل بين الشعبين، وتأثرت بعوامل جغرافية وتاريخية وبشرية، كما ورد في الحلقة الأولى من هذه السلسلة. ثم انتقلت إلى مستوى العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين دولتين تربطهما وشائج الدين واللغة والجوار البحري والمصالح المتبادلة في أكتوبر 1956، أي بعد استقلال السودان بشهور قليلة، لتدخل العلاقات بين البلدين منذ ذلك التاريخ مرحلة جديدة قوامها التمثيل الدبلوماسي والتنسيق والتعاون الثنائي وتطابق المواقف والرؤى في كثير من المسائل التي تهم البلدين.
وقد تعددت مجالات التعاون بين البلدين لتشمل السياسة والاقتصاد والثقافة والتعليم والصحة والأمن والمجالات الإنسانية، ولا ينكر دور المملكة في هذا الشأن إلا مكابر، الأمر الذي أسهم في إرساء قاعدة واسعة من المصالح المشتركة. ولعل من أهم المحطات في هذا الصدد مؤتمر اللاءات الثلاثة الذي عقد في الخرطوم وأنهى الخلاف بين الملك فيصل وجمال عبد الناصر، بوساطة سودانية، لتدخل الأمة العربية في فترة من الوحدة والتلاحم القوي.
وعلى المستوى السياسي، ظل التشاور بين الرياض والخرطوم حاضرا في القضايا العربية والإقليمية والدولية. كما تطورت العلاقات الأمنية والعسكرية في مراحل مختلفة، وترافقت معها أشكال من التعاون والتدريب وتبادل الخبرات. وبذلك لم تعد العلاقة مجرد اتصال دبلوماسي بين دولتين متجاورتين، وإنما أصبحت تمثل منظومة متداخلة من المصالح في المجالات الاقتصادية والأمنية والاجتماعية.
وفي السنوات الأخيرة اكتسبت العلاقات السعودية السودانية أهمية أكبر بسبب موقع السودان وأهمية استقراره بالنسبة إلى أمن البحر الأحمر والمنطقة عموما. وقد برز الدور السعودي بصورة خاصة بعد اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023؛ إذ استضافت المملكة محادثات جدة بين طرفي النزاع، وأسفرت جهودها عن توقيع إعلان جدة للالتزام بحماية المدنيين في السودان. كما أكدت المملكة في مواقف رسمية عديدة دعمها لأمن السودان واستقراره ووحدة أراضيه ومؤسساته، ودعت إلى تجنيب البلاد الانقسام والفوضى، مع التشديد على مواصلة الجهود الرامية إلى وقف الحرب وتحقيق السلام.
ولم تتوقف العلاقات السياسية خلال الأزمة الراهنة، بل استمر التواصل على أعلى المستويات؛ فقد التقى ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان برئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان في الرياض في نوفمبر 2024، وجرى بحث تطورات الأوضاع في السودان والجهود المبذولة لتحقيق الأمن والاستقرار. كما استقبلت المملكة مسؤولين سودانيين في مناسبات متعددة، واستمر التنسيق بين وزارتي الخارجية في البلدين. وفي الجانب الإنساني استضافت المملكة أعدادا مقدرة من السودانيين الذين أجبرتهم الحرب على اللجوء إلى الدول الشقيقة.
مشاركة الخبر علي :