د. حيدر البدري.. نقطة سطر جديد.. .. ثم ماذا بعد هذا؟! ....
لاث سنوات من الحرب تكفي لإسقاط الوهم القائل إن السودان يخوض معركة عسكرية عابرة. ما يجري اليوم صراع على من يملك السودان، ومن يعيد تشكيل دولته، ومن يكتب قواعد الحكم بعد توقف المدافع.
الجيش يريد الحسم. يريد إنهاء الدعم السريع كقوة عسكرية مستقلة، واستعادة السيطرة على كامل البلاد، ثم الانتقال إلى ترتيبات سياسية من موقع القوة. وهذا مفهوم منطقياً بالنسبة لمؤسسة ترى أن وجود جيشين يعني عملياً نهاية الدولةِ.
فالحرب لم تجمع حول الجيش الوطنيين وحدهم. إلى جانبه حركات مسلحة وقوى سياسية وقبلية وإسلامية مختلفة. ولذلك فإن إسقاط الدعم السريع لا يكفي وحده لبناء السودان.
وفي المقابل، فإن «تأسيس» لا تقدم نفسها باعتبارها مجرد تحالف سياسي للدعم السريع. لقد أنشأت حكومة موازية، وتسعى إلى بناء مؤسسات في المناطق الواقعة تحت سيطرتها، وبدأت خطوات باتجاه إنشاء «جيش وطني جديد». وهذه ليست تسوية؛ إنها محاولة لبناء دولة موازية على أنقاض الدولة القائمة.
أما «صمود» والقوى المدنية المناهضة للحرب، فتريد وقف القتال والعودة إلى الانتقال المدني. لكن القوى المدنية نفسها ليست بريئة من أزمة المشهد؛ فقد مزقتها الخلافات، وخسرت كثيراً من قدرتها على التأثير، وأصبح خطابها السياسي في بعض الأحيان أكثر وضوحاً في رفض خصومها منه في تقديم مشروع قابل للتنفيذ.
والأخطر أن كل طرف يتحدث باسم السودان.
الجيش يقول: نحن الدولة. وهو صادق.
الدعم السريع يقول: نحن مشروع التغيير. وهو كاذب.
القوى المدنية تقول: نحن الثورة. وهم لا يفقهون.
والخارج يقول: نحن نريد السلام. وهو منافق .
لكن الشعب السوداني يسأل سؤالاً مختلفاً تماماً: أين السودان في كل ذلك؟.
أما المجتمع الدولي فقد تحول من محاولة الوساطة إلى محاولة كبح الحرب ومصادر تمويلها. واشنطن تدفع باتجاه توسيع حظر السلاح والعقوبات.
وهنا لا يمكن تجاوز الإمارات.
أبوظبي تنفي تسليح الدعم السريع، لكن بعثة تقصي الحقائق التابعة للأمم المتحدة قالت إن أفراداً وكيانات مرتبطة بالإمارات لعبوا دوراً مهماً في شبكات التجنيد والتمويل والنقل والدعم العسكري الذي استفادت منه قوات الدعم السريع.
وفي المقابل، هناك دعم إقليمي ودولي للجيش أيضاً. أي أن السودان لم يعد مجرد ساحة صراع سوداني؛ لقد أصبح ساحة تتقاطع فيها مصالح دول ومحاور وقوى اقتصادية وأمنية.
لكن الشعب السوداني لا يريد أن يكون ورقة في هذه اللعبة.
هو يريد جيشاً واحداً، ودولة واحدة، وسلاحاً واحداً، وحكومة مدنية، وعدالة لا تحمي قاتلاً لأنه انتصر، ولا تبرئ مجرماً لأنه ينتمي إلى المعسكر الصحيح.
والسؤال الأخطر ليس: من سيربح الحرب؟
بل: من سيدفع ثمن النصر؟
فإذا انتصر الجيش ثم عاد السودان إلى حكم عسكري مغلق، لم ينتصر الشعب.
وإذا انتصر الدعم السريع وفرض أمراً واقعاً مسنوداً بالخارج، لم تنتصر الثورة.
وإذا توقفت الحرب بصفقة بين الجنرالات والنخب، من دون محاسبة وإعادة بناء للدولة، فلن يكون ذلك سلاماً؛ سيكون استراحة بين حربين.
السودان لا يحتاج إلى منتصر جديد.
السودان يحتاج إلى دولة تنتصر على الجميع.
نقطة سطر جديد.
مشاركة الخبر علي :