مشروع الجزيرة.. جريمة إهمال اقتصادي تستوجب المساءلة أنقذوا الذهب الأبيض قبل أن يصبح السودان أسيراً للذهب الأصفر بقلم: د. سعاد فقيري
هناك أخطاء يمكن أن تُغتفر، وهناك أخطاء تتحول مع الزمن إلى جرائم في حق الأوطان.
وما حدث لمشروع الجزيرة لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مجرد تعثر في مشروع زراعي.
إنه قضية اقتصاد قومي، وقضية أمن غذائي، وقضية ملايين المزارعين، وقضية مستقبل السودان كله.
فكيف يعقل أن يمتلك السودان واحداً من أكبر المشروعات الزراعية في العالم، ثم يسمح له بالتراجع والتآكل حتى يصبح إنقاذه حديثاً مؤجلاً من حكومة إلى أخرى؟
من المسؤول؟
هذا السؤال لم يعد ترفاً سياسياً.
إنه سؤال يجب أن يُطرح أمام كل مسؤول تولى ملف الزراعة أو الري أو المالية أو التخطيط الاقتصادي، وكل جهة امتلكت القرار ولم تستخدمه لحماية هذا المورد الاستراتيجي.
من الذهب الأبيض إلى الذهب الأصفر
كان القطن يوماً أحد أهم أعمدة الاقتصاد السوداني.
وكان مشروع الجزيرة أحد أهم روافع إنتاجه.
ولم يكن القطن مجرد محصول زراعي؛ بل كان ذهباً أبيض يدخل في منظومة اقتصادية كاملة: زراعة، نقل، حلج، غزل، نسيج، تصدير، عملة صعبة، وفرص عمل.
ثم بدأ هذا القطاع يتراجع.
وفي الوقت الذي كان ينبغي فيه أن نسأل:
كيف نعيد للقطن مكانته؟
انشغلنا بالبحث عن الذهب الأصفر.
ولست ضد الذهب.
الذهب ثروة وطنية، ولكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الذهب من جزء من اقتصاد متنوع إلى بديل عن الاقتصاد نفسه.
فالذهب لا يطعم شعباً وحده.
ولا يبني صناعة متكاملة وحده.
ولا يخلق اقتصاداً مستقراً إذا ظلت بقية القطاعات منهارة.
أما مشروع الجزيرة، إذا أُدير بصورة صحيحة، فيستطيع أن يكون جزءاً من منظومة تنتج الغذاء والكساء والعمل والصادرات.
وهنا يجب أن يفهم المسؤولون المعادلة:
الذهب يمكن أن يمول الاقتصاد، لكن الزراعة تستطيع أن تبني الاقتصاد.
مشروع الجزيرة ليس ملكاً لوزارة الزراعة
هذه نقطة يجب أن يفهمها صانع القرار.
مشروع الجزيرة ليس ملفاً إدارياً تابعاً لوزارة الزراعة وحدها.
إنه مشروع قومي يجب أن تشترك في إنقاذه:
وزارة المالية.
وزارة الزراعة.
وزارة الري.
البنك المركزي.
الجهاز المصرفي.
القطاع الخاص.
الجامعات ومراكز البحوث.
المزارعون واتحاداتهم.
الجهات المسؤولة عن التجارة والصناعة والتصدير.
لأن إنقاذ الزراعة دون إصلاح التمويل لن ينجح.
وإصلاح الري دون إصلاح الإدارة لن ينجح.
وزيادة الإنتاج دون مصانع وأسواق لن تحقق القيمة المطلوبة.
نحن لا نحتاج إلى ترميم مشروع الجزيرة فقط؛ نحتاج إلى إعادة بناء منظومته الاقتصادية كاملة.
خطة الإنقاذ العاجلة
أولاً: إعلان مشروع الجزيرة مشروعاً قومياً
يجب أن يصدر قرار سياسي واضح باعتبار إعادة تأهيل مشروع الجزيرة أولوية وطنية، وأن يوضع له برنامج زمني محدد وموازنة معلومة ومؤشرات أداء قابلة للقياس.
لا لجان بلا نهاية.
ولا خطط حبيسة الأدراج.
ولا وعود موسمية.
ثانياً: تشخيص شامل قبل ضخ الأموال
لا يجوز أن نضع مليارات الجنيهات في مشروع دون أن نعرف بدقة أين ذهبت مشكلاته.
نحتاج إلى تقييم فني واقتصادي وإداري شامل يشمل:
الري، الأراضي، القنوات، الآليات، التمويل، الإدارة، الإنتاج، التسويق، الديون، المخازن، المحالج، البنية التحتية، والعلاقة بين الدولة والمزارع.
ثم تُحدد الأولويات بالأرقام.
ثالثاً: إعادة تأهيل شبكة الري
الماء هو شريان مشروع الجزيرة.
وأي حديث عن نهضة المشروع دون إصلاح الري هو مجرد كلام.
يجب وضع برنامج عاجل لتأهيل القنوات والمنشآت والآليات وإدخال تقنيات الري الحديثة حيثما تكون مناسبة، مع منع التعديات والهدر.
رابعاً: إعادة الثقة إلى المزارع
لا يمكن أن نطالب المزارع بالإنتاج بينما يعيش في دائرة من الديون والمخاطر وعدم وضوح العائد.
المزارع شريك في الاقتصاد الوطني، وليس مجرد منفذ لسياسات الدولة.
نحتاج إلى:
تمويل ميسر.
مدخلات إنتاج في الوقت المناسب.
تأمين زراعي.
أسعار عادلة.
تسويق مضمون.
إرشاد زراعي حديث.
حماية قانونية لحقوق المزارعين.
خامساً: عودة الذهب الأبيض
يجب إعادة القطن إلى مكانته كمحصول استراتيجي، ولكن بعقلية جديدة.
لا نريد أن ننتج القطن ثم نصدره خاماً.
نريد:
قطناً → حلاًجاً → غزلاً → نسيجاً → ملابس → صادرات.
هنا تتحول الزراعة إلى صناعة.
وهنا تتضاعف قيمة المنتج.
وهنا نخلق الوظائف.
سادساً: ربط مشروع الجزيرة بالصناعة
يجب أن تكون هناك خريطة صناعية مرتبطة بالإنتاج الزراعي في الجزيرة.
مصانع للنسيج.
مصانع للزيوت.
صناعات غذائية.
صناعات أعلاف.
تعبئة وتغليف.
مخازن وصوامع.
سلاسل تبريد حيث يلزم.
ومراكز لوجستية.
المشروع الزراعي الذي لا يرتبط بالصناعة يترك جزءاً كبيراً من قيمته الاقتصادية خارج السودان.
سابعاً: وقف نزيف التهريب والفساد
كل جنيه يُفقد بسبب الفساد أو سوء الإدارة هو مال كان يمكن أن يذهب إلى الري أو المدخلات أو المزارع.
لذلك يجب إنشاء منظومة رقابة مستقلة وشفافة على التمويل والتعاقدات والمشتريات والتسويق.
والأهم:
المحاسبة لا ينبغي أن تتوقف عند صغار الموظفين.
من أخطأ أو أهمل أو بدد المال العام، أياً كان موقعه، يجب أن يخضع للقانون.
ثامناً: إدخال التكنولوجيا
مشروع بهذا الحجم لا يمكن أن يدار بعقلية عقود مضت.
نحتاج إلى الزراعة الدقيقة، والخرائط الرقمية، والاستشعار عن بعد، وتطبيقات متابعة الري والمحاصيل، وقواعد بيانات للمزارعين والأراضي والإنتاج.
كما نحتاج إلى ربط الجامعات ومراكز البحوث بالمشروع بصورة عملية.
تاسعاً: إنشاء صندوق قومي لإنقاذ مشروع الجزيرة
يمكن أن يكون الصندوق شراكة بين الدولة والقطاع المصرفي والقطاع الخاص والمغتربين والمستثمرين، مع ضمان أعلى درجات الشفافية.
ويجب أن يكون الصندوق مخصصاً للإنتاج والتأهيل، لا باباً جديداً للصرف الإداري.
عاشراً: محاسبة الماضي وبناء المستقبل
نحن لا ندعو إلى تصفية الحسابات السياسية.
بل ندعو إلى تصفية الحسابات مع الفشل.
من حق الشعب السوداني أن يعرف:
أين ذهبت الأموال؟
لماذا تعطلت المنشآت؟
لماذا تراجعت الإنتاجية؟
من اتخذ القرارات الخاطئة؟
ومن استفاد من هذا التدهور؟
المساءلة ليست انتقاماً.
المساءلة حماية للمستقبل.
إلى المسؤولين: أنتم أمام امتحان تاريخي
أيها المسؤولون:
لا تنتظروا أن يأتي مستثمر أجنبي لينقذ ما تركناه نحن.
ولا تنتظروا ارتفاع سعر الذهب لينقذ الاقتصاد.
ولا تراهنوا على المساعدات والقروض.
السودان لديه ما يكفي ليبدأ من جديد.
لدينا الأرض.
ولدينا المياه.
ولدينا الإنسان.
ولدينا الخبرة.
ولدينا التاريخ الزراعي.
ولدينا مشروع الجزيرة.
لكن ما ينقصنا هو الإدارة التي تحترم هذه النعم.
إن السودان الذي يريد أن ينهض بعد الحرب لا يستطيع أن يبني اقتصاده على التعدين وحده.
ولا يستطيع أن يستورد غذاءه بينما يملك ملايين الأفدنة القابلة للإنتاج.
ولا يستطيع أن يتحدث عن التنمية بينما مشروع الجزيرة يتراجع.
رسالة إلى ضمير المسؤول
أيها المسؤول:
حين تجلس خلف مكتبك وتوقع قراراً يتعلق بالزراعة، تذكر أن وراء هذا القرار مزارعاً ينتظر موسمه.
وتذكر أسرة تنتظر دخلها.
وتذكر مصنعاً ينتظر محصوله.
وتذكر دولة تحتاج إلى العملة الصعبة.
وتذكر شعباً أنهكته الحرب والفقر.
فقرارك ليس ورقة.
قد يكون حياة إنسان، أو موت مشروع، أو إنقاذ اقتصاد.
لقد آن الأوان أن نخرج من عقلية:
"ماذا سنفعل اليوم؟"
إلى عقلية:
"ماذا نريد للسودان بعد عشرين عاماً؟"
فالدول لا تبنى بالحلول المؤقتة.
وأخيراً...
لم يكن مشروع الجزيرة فقيراً.
الذي أفقره هو سوء الإدارة والإهمال وتراكم الأخطاء.
ولم يكن السودان فقيراً في موارده.
إنما كان فقيراً في استثمارها وإدارتها.
لقد أهملنا الذهب الأبيض، ثم تعلقنا بالذهب الأصفر.
والنتيجة اقتصاد هش، يعتمد على مورد لا يكفي وحده لبناء دولة.
فلنُعد ترتيب أولوياتنا.
الذهب مكانه في الاقتصاد، وليس فوق الاقتصاد.
والزراعة ليست قطاعاً هامشياً.
الزراعة أمن قومي.
ومشروع الجزيرة ليس ماضياً نحكي عنه في الكتب.
إنه مستقبل يمكن أن نبنيه من جديد.
فهل يستيقظ ضمير المسؤول؟
وهل نملك الشجاعة لنقول:
كفى إهمالاً لمشروع الجزيرة؟
إنقاذ مشروع الجزيرة ليس إنقاذاً لمشروع زراعي.
إنه إنقاذ لجزء من روح الاقتصاد السوداني.
وإذا كان الاستعمار قد أقام مشروع الجزيرة لخدمة مصالحه، فإن مسؤوليتنا اليوم أن نجعله يعمل لخدمة السودان وشعبه وأجياله القادمة.
فلا تقتلوا الذهب الأبيض مرة أخرى... بعدما أرهقنا الذهب الأصفر.
مشاركة الخبر علي :