الرئيسية / مقالات رأي / قرارٌ صائب وإن جاء متأخراً… إيقاف التعيي...
مقالات رأي

قرارٌ صائب وإن جاء متأخراً… إيقاف التعيينات وحده لا يكفي لإصلاح الدولة بقلم: د. سعاد فقيري

في توقيتٍ بالغ الحساسية، صدر قرار مجلس الوزراء الانتقالي رقم (66) لسنة 2026م بشأن إيقاف التوظيف (التعيين) الجديد في كافة أجهزة ومؤسسات الدولة، مع توجيهات بوقف النقل والانتداب والإعارة بين المؤسسات الح...

قرارٌ صائب وإن جاء متأخراً… إيقاف التعيينات وحده لا يكفي لإصلاح الدولة

بقلم: د. سعاد فقيري
2026-09-14 9 دقائق قراءة 6 مشاهدة

في توقيتٍ بالغ الحساسية، صدر قرار مجلس الوزراء الانتقالي رقم (66) لسنة 2026م بشأن إيقاف التوظيف (التعيين) الجديد في كافة أجهزة ومؤسسات الدولة، مع توجيهات بوقف النقل والانتداب والإعارة بين المؤسسات الحكومية إلا بموافقة رئيس الوزراء، ومراجعة الاحتياجات الوظيفية للعاملين الحاليين.
وهو قرار يمكن وصفه بأنه خطوة صحيحة في الاتجاه الصحيح، وإن جاء متأخراً؛ لأن إصلاح الدولة لا يبدأ بزيادة عدد الموظفين، وإنما يبدأ أولاً بإعادة ترتيب البيت الداخلي، ومعرفة: من يعمل؟ أين يعمل؟ لماذا عُيّن؟ وما الحاجة الفعلية إلى وظيفته؟
لكن السؤال الأكبر الآن ليس: هل نوقف التعيينات؟
بل: ماذا سنفعل بعد الإيقاف؟
فالقرار إذا تحول إلى مجرد منشور إداري يوقف التعيين الجديد، ثم تظل الأبواب الخلفية مفتوحة للنقل والانتداب والتعاقدات والاستثناءات، فلن يتغير شيء جوهري.
التعيين ليس المشكلة وحده… المشكلة في منظومة كاملة
الدولة التي خرجت من حرب وظروف اقتصادية وإدارية بالغة التعقيد لا تحتمل جهازاً حكومياً متضخماً، ولا تحتمل أن تتحول الوظيفة العامة إلى وسيلة للمجاملة أو الولاء أو المحسوبية أو معالجة العلاقات الشخصية.
فالوظيفة العامة حق للدولة وواجب تجاه المواطن، وليست امتيازاً لمن يملك القدرة على الوصول إلى مسؤول.
ومن هنا فإن القرار الحالي ينبغي أن يكون بداية لـ مراجعة شاملة للموارد البشرية في الدولة، لا مجرد وقف للتعيينات الجديدة.
لقد آن الأوان لطرح أسئلة صعبة ولكن ضرورية:
كم عدد العاملين فعلياً في كل مؤسسة؟
كم عدد الوظائف المعتمدة؟
كم عدد الوظائف الشاغرة؟
كم عدد العاملين الذين يؤدون أعمالاً حقيقية؟
كم عدد الوظائف التي أصبحت بلا حاجة بعد تغير الظروف والهياكل؟
كيف تم تعيين كل موظف؟
وما مؤهلاته؟
وهل يعمل في المجال الذي يتناسب مع مؤهلاته؟
ومنذ متى يعمل؟
وهل هناك أكثر من موظف يؤدي العمل نفسه؟
هذه ليست أسئلة للانتقام من الموظفين، وإنما أسئلة لبناء دولة مؤسسية عادلة.
أخطر أبواب التضخم الإداري: النقل والانتداب والتعاقد
ولذلك فإن ما جاء في القرار بشأن وقف النقل والانتداب والإعارة بين المؤسسات الحكومية إلا بموافقة رئيس الوزراء يمثل نقطة مهمة للغاية.
لأن إصلاح التعيين الجديد لا يكتمل إذا ظلت الوظيفة العامة تستقبل أعداداً جديدة عبر أبواب أخرى.
قد يتوقف التعيين، ولكن يتم نقل موظف من مؤسسة إلى أخرى.
وقد يتوقف التعيين، ولكن يتم انتداب شخص.
وقد يتوقف التعيين، ولكن يتم التعاقد معه تحت مسمى آخر.
وقد يصبح الاستثناء هو القاعدة.
وهنا يتحول القرار من أداة للإصلاح إلى مجرد تغيير في طريقة الدخول إلى الجهاز الحكومي.
لذلك يجب أن تكون هناك قاعدة واضحة:
لا تعيين، ولا نقل، ولا انتداب، ولا إعارة، ولا تعاقد خارج الاحتياج الفعلي والهيكل المعتمد والميزانية المقررة، إلا وفق ضوابط معلنة ومراجعة مؤسسية.
بورسودان نموذج يحتاج إلى مراجعة شاملة
ومن هنا أرى أن المرحلة القادمة تحتاج إلى مراجعة حقيقية لكل الموظفين الموجودين في مؤسسات الدولة التي تعمل من بورسودان، وليس المقصود بذلك التشكيك في العاملين أو ظلمهم، وإنما التأكد من سلامة الإجراءات وتحقيق العدالة والكفاءة.
فالحرب فرضت ظروفاً استثنائية، وانتقلت مؤسسات ووزارات، وتغيرت مواقع العمل، وظهرت احتياجات جديدة، كما حدثت تعيينات ونقل وانتدابات وتعاقدات في ظروف استثنائية.
وهنا يجب أن تتوقف الدولة وتسأل:
هل كل من يعمل اليوم في الجهاز الحكومي جاء وفق حاجة حقيقية وإجراء سليم؟
إن كانت الإجابة نعم، فليست هناك مشكلة في استمرار من تنطبق عليه الشروط.
وإن كانت هناك مخالفات، فيجب تصحيحها وفق القانون.
فالهدف ليس إقصاء الموظفين، وإنما إقصاء الفوضى من الوظيفة العامة.
الظلم الإداري لا يقل خطورة عن الفساد المالي
هناك نوع من الفساد لا يظهر في دفاتر الحسابات، لكنه قد يكون أكثر تدميراً للمؤسسة: الفساد الإداري.
عندما يوضع الشخص غير المناسب في المكان غير المناسب، ويُحرم صاحب الكفاءة من حقه في الترقية أو التكليف، وتصبح العلاقات الشخصية أقوى من المؤهل والخبرة، فإن المؤسسة تبدأ في الانهيار من الداخل.
والظلم الإداري يأخذ صوراً متعددة:
موظف كفء يُهمّش، وآخر أقل كفاءة يُقدّم عليه.
موظف يؤدي عمله سنوات دون تقدير، وآخر يحصل على موقع قيادي بسبب علاقته.
شخص يُنقل بعيداً عن تخصصه، بينما يحتفظ آخر بموقع لا يستحقه.
وظائف تُنشأ لأشخاص بدلاً من اختيار الأشخاص وفقاً للوظائف.
وهذه الممارسات، إن وجدت، يجب أن تتوقف.
فالعدالة الإدارية ليست ترفاً، بل شرط أساسي لاستقرار الدولة.
المطلوب الآن: «كشف وظيفي» شامل
أقترح أن يتبع قرار وقف التعيينات برنامج وطني تحت مسمى:
المراجعة الشاملة للموارد البشرية بالدولة
ويشمل جميع الوزارات والمؤسسات والهيئات والوحدات الحكومية.
ويُعد لكل موظف ملف وظيفي إلكتروني موحد يتضمن:
المؤهل العلمي.
التخصص.
تاريخ التعيين.
جهة التعيين الأصلية.
الوظيفة والدرجة.
تاريخ آخر ترقية.
جهة العمل الحالية.
طبيعة المهام التي يؤديها.
أساس النقل أو الانتداب إن وجد.
نوع التعاقد إن كان متعاقداً.
مدى حاجة المؤسسة إلى الوظيفة.
تقييم الأداء.
مدى توافق المؤهل مع الوظيفة.
وبعد ذلك تُصنف الوظائف والعاملون إلى:
وظيفة ضرورية — وظيفة تحتاج إلى إعادة توزيع — وظيفة زائدة — وظيفة تحتاج إلى إعادة هيكلة.
وهكذا تصبح الدولة لأول مرة أمام خريطة حقيقية لجهازها الإداري.
لا بد من مراجعة كيفية اختيار العاملين في حكومة بورسودان
هذه النقطة تحديداً تحتاج إلى شجاعة مؤسسية.
فالمطلوب ليس السؤال عن الأشخاص فقط، وإنما السؤال عن الآلية التي تم بها الاختيار.
هل تم الإعلان عن الوظائف؟
هل كانت هناك منافسة؟
هل توجد لجان اختيار؟
هل تم اعتماد معايير واضحة؟
هل روعي التخصص؟
هل كانت هناك استثناءات؟
هل تم تعيين أشخاص بلا حاجة فعلية؟
وهل تم تجاوز أصحاب الخبرات الموجودين أصلاً داخل الخدمة؟
هذه الأسئلة يجب أن تُطرح على الجميع دون استثناء ودون استهداف شخصي.
فالشفافية لا تعني اتهام الناس، وإنما تعني أن تكون الإجراءات قابلة للمراجعة.
الدولة تحتاج إلى «الموظف المناسب» لا «الموظف الأكثر عدداً»
السودان اليوم لا يحتاج إلى تضخم الجهاز الحكومي.
يحتاج إلى جهاز حكومي صغير، محترف، منضبط، عالي الكفاءة.
المواطن لا يريد أن يعرف كم موظفاً يجلس داخل الوزارة، وإنما يريد أن يعرف:
هل تنجز معاملته؟
هل يحصل على الخدمة؟
هل تحترم حقوقه؟
هل يجد الموظف المختص؟
هل توجد مساءلة؟
هل تُدار الدولة باللوائح أم بالعلاقات؟
هذه هي الأسئلة الحقيقية.
الإصلاح لا يعني فصل الناس جزافاً
وهنا يجب التنبيه إلى أمر بالغ الأهمية:
مراجعة الخدمة المدنية يجب ألا تتحول إلى حملة فصل جماعي.
فالعدالة تقتضي حماية الموظف الذي عُيّن بصورة قانونية ويؤدي عمله بكفاءة.
وفي المقابل، يجب معالجة أي تعيين أو انتداب أو نقل مخالف للقانون عبر الإجراءات القانونية والمؤسسية، لا عبر القرارات الفردية.
والقاعدة التي يجب أن تحكم المرحلة القادمة:
لا ظلم لموظف ملتزم بالقانون، ولا حماية لمخالفة تثبتها المراجعة.
رسالة إلى الوزراء والمسؤولين
إن قرار وقف التعيينات يضع مسؤولية كبيرة أمام الوزراء ورؤساء المؤسسات.
فلا يجوز أن يكون الحل هو تجميد الوظائف ثم ترك المؤسسات تعاني من سوء التوزيع.
بل المطلوب إعادة توزيع الكفاءات الموجودة، والاستفادة من الخبرات، وإعادة التدريب، والتحول الرقمي، ورفع الإنتاجية.
الموظف الذي لا يجد عملاً حقيقياً يحتاج إلى إعادة توظيف قدراته، لا إلى خلق وظيفة وهمية له.
والمؤسسة التي لديها نقص في تخصص معين يجب أن تعالج النقص من خلال إعادة توزيع الموارد البشرية أولاً، قبل التفكير في إضافة موظفين جدد.
ورسالة إلى رئيس الوزراء
هذا القرار يمكن أن يكون بداية إصلاح إداري تاريخي إذا تمت حمايته من الاستثناءات.
وأهم ما يحتاجه القرار الآن هو:
قاعدة بيانات وطنية للموظفين.
مراجعة التعيينات والنقل والانتداب والتعاقدات.
ربط أي وظيفة باحتياج حقيقي.
إلغاء الوظائف الوهمية والمتكررة.
منع تضارب المصالح والمحسوبية.
اعتماد الجدارة والكفاءة معياراً للتعيين والترقية والتكليف.
رقمنة ملفات الخدمة المدنية.
وضع نظام رقابة ومساءلة مستمر، وليس حملة مؤقتة.
كلمة أخيرة
إن وقف التعيينات الجديدة خطوة مهمة، لكن المعركة الحقيقية تبدأ بعد القرار.
فإذا أوقفنا التعيين ولم نراجع النقل والانتداب والتعاقدات، لم نغلق الباب.
وإذا راجعنا التعيينات ولم نراجع الموجودين، لم نصل إلى الحقيقة.
وإذا راجعنا الموظفين دون عدالة، صنعنا ظلماً جديداً.
أما إذا جمعنا بين المراجعة والشفافية والعدالة والكفاءة والقانون، فإننا نكون قد بدأنا فعلاً في بناء دولة جديدة.
السودان لا يحتاج إلى دولة كثيفة الموظفين، وإنما يحتاج إلى دولة قوية بمؤسساتها، عادلة في إدارتها، رشيقة في جهازها، نظيفة في إجراءاتها، وقادرة على تقديم الخدمة للمواطن.
ولذلك فإن الرسالة الأهم من قرار إيقاف التعيينات هي:
أوقفوا الفوضى قبل أن توقفوا الوظيفة، وراجعوا الإجراءات قبل أن تحاسبوا الأشخاص، واجعلوا الكفاءة معياراً، والقانون حكماً، والوطن فوق كل اعتبار.
فإصلاح الدولة يبدأ من إصلاح الوظيفة العامة، وإصلاح الوظيفة العامة يبدأ من إنهاء المحسوبية والظلم الإداري، وإعادة الاعتبار للكفاءة والنزاهة والانضباط.

شارك: تنزيل المقالة PDF
#مقالات رأي

أخبار ذات صلة

التالي محجوب أبوالقاسم يكتب غلاء طاحن والحكومة... السابق وزير التعليم العالي يعلن قرب انطلاق التقديم ا...