الرئيسية / مقالات رأي / السفير أونور أحمد أونور... حين تتحدث الك...
مقالات رأي

السفير أونور أحمد أونور... حين تتحدث الكفاءة عن نفسها نموذج للدبلوماسي الذي نريد، ورسالة إلى وزارة الخارجية السودانية بقلم: د. سعاد فقيري

ليست الدبلوماسية لقبًا يُكتب أمام الاسم، ولا منصبًا يجلس صاحبه خلف مكتب، ولا سفارةً ترفع علم السودان في عاصمة أجنبية.الدبلوماسية الحقيقية أخلاقٌ قبل أن تكون منصبًا، وكفاءةٌ قبل أن تكون وجاهة، وحكمةٌ ق...

السفير أونور أحمد أونور... حين تتحدث الكفاءة عن نفسها

نموذج للدبلوماسي الذي نريد، ورسالة إلى وزارة الخارجية السودانية

بقلم: د. سعاد فقيري
2026-09-17 10 دقائق قراءة 14 مشاهدة

ليست الدبلوماسية لقبًا يُكتب أمام الاسم، ولا منصبًا يجلس صاحبه خلف مكتب، ولا سفارةً ترفع علم السودان في عاصمة أجنبية.
الدبلوماسية الحقيقية أخلاقٌ قبل أن تكون منصبًا، وكفاءةٌ قبل أن تكون وجاهة، وحكمةٌ قبل أن تكون سلطة، وخدمةٌ للوطن والمواطن قبل أن تكون امتيازًا وظيفيًا.
ومن هذه الزاوية أكتب اليوم عن سعادة السفير أونور أحمد أونور، مدير الإدارة القنصلية بوزارة الخارجية، الذي يغادر إلى العاصمة الرومانية بوخارست سفيرًا للسودان.
أكتب عنه لا لأنني أعرفه معرفة شخصية قديمة، ولا لأن بيننا مصلحة، وإنما لأنني اختبرت بنفسي نموذجًا من تعامله المهني والإنساني في موقف صغير في حجمه، كبير في معناه.
وأكتب عنه كذلك تقديرًا للرجل الذي عرّفني به، الصحفي السوداني القدير صبري محمد علي «العيكورة»، المقيم بالمملكة العربية السعودية، والذي نقل إليّ صورة طيبة عن السفير أونور قبل أن أعرفه.
وما أجمل أن تتطابق الشهادة مع التجربة.
العيكورة... شهادة سبقت المعرفة
تعرفت على السفير أونور من خلال الصحفي القدير العيكورة، الذي حدثني عنه وعن أخلاقه وحسن تعامله.
وكما يقول أهلنا: «الزول البتعرفو من شهادة الناس، بتختبره بالمواقف».
وقد جاءت الفرصة سريعًا.
كان لدينا موقف يتعلق بابنتنا علا محمد صالح، التي كانت حديثة الولادة، وكانت هناك حاجة إلى حل مشكلة استخراج جواز سفرها، وهي مسألة قد تبدو إجرائية لمن ينظر إليها من بعيد، لكنها بالنسبة لأسرة أمام طفلة حديثة الولادة كانت مسألة شديدة الأهمية والحساسية.
وكان تواصلنا مع السفير أونور إسفيريًا بالكامل.
لا لقاء في مكتب، ولا معرفة سابقة، ولا وساطة شخصية.
فقط مشكلة تحتاج إلى مسؤول يعرف كيف يتصرف.
وكانت المفاجأة أن السفير أونور تحرك وتواصل مع قنصلية السودان في دبي، وتم حل المشكلة في أقل من ساعة.
كانت دهشتنا كبيرة.
ليس فقط لأن المشكلة حُلّت سريعًا، وإنما لأننا لمسنا في ذلك الموقف معنى آخر:
أن المسؤول يستطيع أن يجعل الإجراء خدمة، بدلًا من أن يجعل الخدمة معاناة.
ومنذ ذلك الموقف بقيت صورة السفير أونور في ذهني كما وصفه العيكورة تمامًا.
هنا تظهر الدبلوماسية الحقيقية
ما فعله السفير أونور في تلك الواقعة ليس إنجازًا خارقًا من حيث حجم الملف، لكنه مهم جدًا من حيث فلسفة الخدمة العامة.
فالمواطن لا يقيس الدولة دائمًا بالمؤتمرات الدولية والاتفاقيات الكبرى.
أحيانًا يقيسها بجواز سفر لطفل.
أو معاملة عاجلة.
أو اتصال هاتفي.
أو موظف يسمع مشكلته.
أو مسؤول يرد عليه بدلًا من أن يغلق الباب أمامه.
وهنا تظهر قيمة الدبلوماسي الحقيقي.
الدبلوماسي الناجح لا يعقّد الطريق أمام المواطن، بل يبحث عن أقصر طريق قانوني لحل المشكلة.
والسفير أونور، في تجربتنا معه، فعل ذلك.
الحنكة الدبلوماسية تبدأ من الإنسان
أكثر ما يلفت في تجربة السفير أونور أنه لا يتعامل مع موقعه باعتباره سلطة على المواطن.
بل يتعامل معه باعتباره مسؤولية تجاه المواطن.
يستمع.
يفهم.
يتواصل.
ثم يبحث عن الحل.
ولا يثقل على صاحب المشكلة بالإجراءات أو التعقيدات التي لا داعي لها.
وهذه صفات تبدو بسيطة، لكنها في العمل القنصلي والدبلوماسي ثروة حقيقية.
فالعمل القنصلي تحديدًا هو أحد أكثر وجوه الدولة حساسية؛ لأنه يتعامل مباشرة مع المواطن، ومع مشكلاته، ومع الوثائق، والجوازات، والإقامات، والمواليد، والطلاب، والأسر، والحالات الإنسانية، والظروف الطارئة.
ولهذا فإن المسؤول الذي ينجح في إدارة هذه الملفات بهدوء وحكمة يستحق أن يُنظر إلى تجربته باعتبارها نموذجًا.
من الإدارة القنصلية إلى بوخارست
إن انتقال السفير أونور من إدارة القنصليات إلى محطة بوخارست ينبغي أن يكون أكثر من مجرد حركة وظيفية.
إنه استثمار في الخبرة.
فوزارة الخارجية السودانية تحتاج اليوم إلى كوادر تعرف الواقع، لا إلى أسماء فقط.
تحتاج إلى دبلوماسيين مارسوا العمل، واحتكوا بالمواطنين، وأداروا الأزمات، وتعلموا كيف يتعاملون مع المؤسسات المختلفة، وكيف يمثلون السودان في الظروف الصعبة.
والسفير أونور يأتي إلى بوخارست بخبرة قنصلية مهمة، وهي خبرة يمكن أن تشكل إضافة حقيقية إلى العمل الدبلوماسي الخارجي.
ونحن نعوّل عليه كثيرًا، ونتمنى أن يكون سفيرًا ناجحًا، وأن ينقل معه إلى رومانيا ذلك النموذج الذي عرفناه فيه:
المهنية، والهدوء، والمرونة، والإنسانية، وسرعة الاستجابة.
ورسالتنا هنا إلى وزارة الخارجية
الإشادة بالسفير أونور لا ينبغي أن تكون مجرد مقال مدح لشخص.
بل ينبغي أن تكون رسالة إلى وزارة الخارجية السودانية نفسها.
إن السودان يحتاج اليوم إلى أن يعيد اكتشاف كوادره الحقيقية.
لقد آن الأوان أن تكون الكفاءة هي بوابة العبور إلى المواقع الدبلوماسية.
وأن يصبح معيار الاختيار:
من يستطيع أن يخدم السودان؟
لا:
من يعرف فلانًا؟
ولا:
من له واسطة؟
ولا:
من ينتمي إلى هذه المجموعة أو تلك؟
نريد أن نرى وزارة الخارجية وقد استعادت بوصلتها، وأدركت أن المرحلة القادمة تحتاج إلى غربلة حقيقية للكوادر والمحطات الخارجية، تقوم على المهنية والنزاهة والخبرة والوطنية.
الخارجية السودانية... هل صحت من غفوتها؟
أقولها بكل أمل:
نريد أن نصدق أن الخارجية السودانية قد صحت من غفوتها.
وأن ما نشهده من تغييرات وإعادة ترتيب في بعض المواقع هو بداية لمرحلة إصلاح حقيقية.
لكن الإصلاح لا يكون بتغيير الأسماء فقط.
الإصلاح الحقيقي هو أن تتغير معايير الاختيار نفسها.
أن يصبح الدبلوماسي المتميز مثل السفير أونور نموذجًا يُحتذى به، لا حالة استثنائية.
أن تبحث الوزارة عن الكفاءات التي أثبتت نفسها في الميدان.
أن تُقيّم أداء السفارات والقنصليات.
أن تُراجع الهياكل.
أن تُعطى الأولوية لأصحاب الخبرة والكفاءة.
وأن تكون الوطنية وحب السودان شرطًا أساسيًا لا مجرد شعار.
نريد سفارات يشعر فيها المواطن أن السودان معه
السفارة ليست مبنى.
والقنصلية ليست شباكًا للأوراق.
إنهما امتداد للدولة السودانية خارج حدودها.
ولهذا فإن المواطن السوداني عندما يدخل سفارته أو قنصليته يجب ألا يشعر أنه يدخل مؤسسة غريبة عنه.
بل يجب أن يشعر أن الدولة تقف خلفه.
نريد موظفًا يقول للمواطن:
«كيف أساعدك؟»
بدلًا من:
«هذه ليست مسؤوليتي».
نريد مسؤولًا يبحث عن الحل القانوني.
لا مسؤولًا يبحث عن سبب لرفض الطلب.
نريد دبلوماسيًا يحفظ هيبة الدولة دون أن يهدر كرامة المواطن.
وهذا تحديدًا ما جعل تجربة السفير أونور تستحق الإشادة.
الكفاءة لا تعني القسوة
هناك خطأ يجب أن نتجاوزه في مؤسساتنا:
أن المسؤول الحازم هو المسؤول الصعب، وأن الموظف القوي هو الذي لا يرد على الناس، وأن الهيبة تعني إغلاق الأبواب.
الحقيقة عكس ذلك.
يمكن للمسؤول أن يكون حازمًا وعادلًا، قويًا ومتعاونًا، ملتزمًا بالقانون وإنسانيًا في تعامله.
وهذا هو التوازن الذي نحتاجه في مؤسسات الدولة.
والسفير أونور يقدم في تجربته مثالًا على أن الإنسانية لا تنتقص من هيبة المسؤول، بل تزيدها.
غربلة المحطات الخارجية ليست إقصاءً
وعندما ندعو إلى مراجعة المحطات الخارجية، فإننا لا ندعو إلى إقصاء الناس لمجرد الإقصاء.
بل ندعو إلى العدالة المؤسسية.
كل موظف كفء يجب أن يُحترم ويُستفاد من خبرته.
وكل موظف مقصر يجب أن يخضع للتقييم.
وكل موقع يجب أن يشغله من يستحقه.
وكل سفارة يجب أن تكون لها أهداف واضحة ومؤشرات أداء.
نريد أن نعرف:
من يعمل؟
ماذا أنجز؟
ما الإضافة التي قدمها؟
كيف خدم المواطنين؟
ماذا فعل للسودان سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا؟
وكيف ساهم في تحسين صورة وطنه؟
هذه هي الأسئلة التي يجب أن تحكم العمل الدبلوماسي في المرحلة المقبلة.
أونور والعيكورة... شهادة وتجربة
وهنا لا يمكنني أن أفصل بين الرجلين في هذه القصة.
العيكورة عرّفني بالرجل، وأونور أثبت لي صدق الشهادة.
فالصحفي القدير العيكورة يستحق التحية لأنه قدّم شهادة إنسانية في رجل عرفه، ولم تكن شهادته مجرد كلمات عابرة.
ثم جاءت تجربتنا الإسفيرية مع السفير أونور لتؤكد أن ما قيل عنه لم يكن مجاملة.
ومن هنا أقول:
شكرًا للعيكورة على التعريف، وشكرًا للسفير أونور على الموقف.
فأحيانًا تبدأ المعرفة بكلمة من إنسان، وتثبت قيمتها بموقف من إنسان آخر.
أونور... نريد النموذج لا الاستثناء
يا وزارة الخارجية السودانية...
إذا كان بين أيديكم عشرات الكفاءات من أمثال السفير أونور، فافتحوا لهم الطريق.
وإذا كانت هناك كفاءات أخرى لم تجد فرصتها، فابحثوا عنها.
لا تجعلوا المواقع الدبلوماسية مكافآت.
اجعلوها تكليفًا لمن يستحق.
ولا تجعلوا السفارات محطات لإرضاء الأشخاص.
اجعلوها منصات لخدمة الوطن.
ولا تجعلوا التغيير مجرد تبديل أسماء.
اجعلوه إصلاحًا حقيقيًا للمنظومة.
وأخيرًا... إلى سعادة السفير أونور
سعادة السفير أونور أحمد أونور...
من موقف صغير مع طفلة حديثة الولادة، تعلمنا أن قيمة المسؤول لا تقاس بحجم المكتب الذي يجلس فيه، وإنما بحجم الأثر الذي يتركه في حياة الناس.
لقد حُلّت مشكلة ابنتنا علا محمد صالح في أقل من ساعة، وكان التواصل كله إسفيريًا، ولم نكن نعرفك من قبل.
لكن الموقف جعلنا نعرفك.
وهذه هي المواقف التي تصنع السيرة الطيبة.
نسأل الله أن يوفقكم في مهمتكم الجديدة في بوخارست، وأن تكونوا خير سفير للسودان، وأن تحملوا معكم إلى رومانيا صورة السودان الذي نطمح إليه:
سودان الدولة.
سودان المؤسسات.
سودان الكفاءة.
سودان الاحترام.
سودان الذي يعرف كيف يحترم الآخرين، ويحترم مواطنيه.
أما رسالتي الأخيرة لوزارة الخارجية فهي:
استمروا... فقد بدأت العافية تدب في المفاصل.
ولكن أكملوا الطريق.
اختاروا الكفاءات بحق.
غربلوا المحطات بمعايير مهنية.
أنصفوا أصحاب الخبرة.
افتحوا الباب أمام الشباب المؤهل.
أبعدوا المحسوبية والسمسرة.
واجعلوا الوطن فوق كل اعتبار.
ولنجعل من السفير أونور أحمد أونور نموذجًا لا استثناءً.
فالسودان لا تنقصه الكفاءات...
إنما يحتاج إلى مؤسسة تعرف كيف تكتشفها، وكيف تختارها، وكيف تمنحها الفرصة.
حفظ الله السودان وأهله، ووفق كل من يعمل بإخلاص من أجل رفعته.
تصحبكم السلامة سعادة السفير أونور... وإلى بوخارست، حيث نرجو أن تبدأ محطة جديدة من العطاء.

شارك: تنزيل المقالة PDF
#مقالات رأي

أخبار ذات صلة

التالي شرشار هي البداية يا جنجا! محمد التجاني عمر ق... السابق رئيس مجلس السيادة الانتقالي يمنح التلميذة تقى...