الرئيسية / مقالات رأي / المرقاب... د إسماعيل الحكيم يكتب :...
مقالات رأي

المرقاب... د إسماعيل الحكيم يكتب : *المعاشي ليس رقماً فائضاً.. أربعون ألفاً لا تشتري وطناً من الخبرة*

من المضحكات المبكيات معاً أن ينتهي عمر طويل من الخدمة العامة، بكل ما فيه من عرق وتجارب ومعارف وقرارات ومسؤوليات، إلى رقم صغير في كشف معاش، ثم تأتي الدولة ــ في لحظة يفترض أنها لحظة وفاء ــ فتمنح المعا...

المرقاب...

د إسماعيل الحكيم يكتب :

*المعاشي ليس رقماً فائضاً.. أربعون ألفاً لا تشتري وطناً من الخبرة*
2026-09-19 6 دقائق قراءة 20 مشاهدة

من المضحكات المبكيات معاً أن ينتهي عمر طويل من الخدمة العامة، بكل ما فيه من عرق وتجارب ومعارف وقرارات ومسؤوليات، إلى رقم صغير في كشف معاش، ثم تأتي الدولة ــ في لحظة يفترض أنها لحظة وفاء ــ فتمنح المعاشي أربعين ألفاً، وكأنها بذلك قد أدت ما عليها وأغلقت ملف رجل أفنى زهرة عمره في خدمتها.
أربعون ألفاً! ليس السؤال هنا عن الرقم وحده، وإنما عن المعنى الذي يحمله الرقم. فحين يكون معاش بعض الدرجات الوظيفية في حدود عشرات الآلاف، وتورد تقارير منشورة أن المعاشات تمتد من نحو 37 ألف جنيه للدرجات الدنيا إلى قرابة 80 ألفاً لبعض الدرجات العليا، فإن القضية لا تعود مجرد مساعدة مالية عابرة؛ إنها تصبح سؤالاً كبيراً عن قيمة الإنسان بعد أن تنتهي صلته بالوظيفة. هل ينتهي قدر الموظف يوم ينتهي دفتر الحضور والانصراف؟
هل تتحول سنوات الخبرة إلى ورق قديم بمجرد أن يحمل الرجل لقب «معاشي»؟
وهل يجوز أن نعامل من أمضى ثلاثين أو أربعين عاماً في الدولة وكأن أهم ما بقي منه هو رقم حساب مصرفي؟ هنا تكمن المأساة.
الدولة الحديثة لا تنظر إلى المتقاعد باعتباره عبئاً مالياً، وإنما باعتباره مخزوناً وطنياً من الخبرة. الدول التي تعرف كيف تبني نفسها لا ترمي خبراتها في آخر الطريق، ثم تبحث في اليوم التالي عن بيوت خبرة أجنبية لتدفع لها أضعاف ما كان يمكن أن تدفعه لخبرائها الوطنيين.
المعاشي ليس «موظفاً انتهى»؛ إنما هو في كثير من الأحيان خبير تحرر من الوظيفة. خرج من قيود التوقيع والختم واللوائح اليومية، وخرج من صخب المكاتب، لكنه خرج وفي رأسه أرشيف كامل من التجارب، وفي ذاكرته أخطاء نجح في تجاوزها، ومشروعات عرف لماذا نجحت ولماذا فشلت، وأزمات عاشها، وقرارات شارك في صناعتها، وأفكار ربما لم يجد طوال سنوات الوظيفة مساحة كافية لتنفيذها.
فلماذا لا نفتح له الباب الآن؟
لماذا لا تتحول مرحلة ما بعد الخدمة من «معاش» إلى مرحلة إنتاج معرفي؟
لماذا لا تنشئ الدولة حاضنة وطنية لخبرات المعاشيين، تضم المهندسين والأطباء والإداريين والاقتصاديين والإعلاميين والقانونيين والمعلمين والباحثين وأصحاب التجارب في مختلف مؤسسات الدولة؟
لماذا لا تكون هناك مراكز للدراسات والسياسات العامة، ومعامل للأفكار، وبيوت خبرة وطنية، تستوعب هذه العقول وتحوّل تجاربها إلى مشروعات وحلول؟
نحن في السودان لا نخرج من حرب إلى فراغ؛ نحن أمام بلد يحتاج إلى إعادة بناء مؤسساته واقتصاده وخدماته وإدارته. وهذه مرحلة لا تحتاج إلى الأيدي العاملة وحدها، وإنما تحتاج إلى العقول التي تعرف من أين يبدأ البناء، وكيف تُقرأ الأخطاء، وكيف تُدار الموارد، وكيف تتحول التجربة إلى سياسة عامة.
إن منح المعاشي مبلغاً محدوداً قد يساعده أياماً، لكن منحه مشروعاً معرفياً قد يساعد بلداً بأكمله.
بدلاً من أن نقول له: «تفضل، هذه أربعون ألفاً»، يمكن أن نقول: «تفضل، هذه مساحة لتقدم ما لم تستطع تقديمه وأنت داخل الوظيفة».
بدلاً من أن نغلق الباب خلفه، يمكن أن نفتح أمامه نافذة جديدة.
وبدلاً من أن يكون المعاش نهاية علاقة الدولة بخبراتها، يمكن أن يصبح بداية لعلاقة أكثر نضجاً.
وليس المقصود أن تستبدل الدولة الحق المالي للمعاشي بمشروع أو عمل؛ فالمعاش حق مستحق وليس منّة. وإنما المطلوب أن يكون إلى جانب الحق المالي مسار آخر يحفظ للخبرة مكانتها، وللإنسان كرامته، وللدولة فائدتها.
لقد آن الأوان كذلك لإعادة النظر في اللغة التي نصف بها هذه الشريحة.
لماذا «معاشي»؟
ولماذا «متقاعد»؟
لماذا لا يكون في قاموس الدولة مصطلح أكثر احتراماً لدور هؤلاء: خبير وطني متفرغ؟
فالمسمى ليس تفصيلاً لغوياً؛ إنه أحياناً يعكس الطريقة التي تنظر بها المؤسسة إلى الإنسان.
والأخطر من كل ذلك أن نخسر هؤلاء مرتين: مرة حين نترك خبراتهم تتبدد، ومرة حين ندفع لاحقاً أموالاً طائلة لشراء خبرة من خارج البلاد كان يمكن أن تنتجها عقول سودانية عاشت تفاصيل هذا الوطن شبراً شبراً.
إن الخبرة في ظروف إعادة بناء الدول تشترى بماء الذهب.
والبلد الذي يملك خبراء عاشوا أزماته، وعرفوا مؤسساته، وفهموا مجتمعه، واختبروا إمكاناته، ثم يتركهم على هامش الحياة، يشبه من يمتلك منجم ذهب ثم يبحث عن الذهب في الصحراء.
نحن لا نريد للمعاشي أن يكون متسولاً عند باب الدولة.
نريده شريكاً في إعادة بناء الدولة.
نريد قاعدة بيانات وطنية للخبرات المتقاعدة، ومراكز بحثية تستوعبها، ومشروعات استشارية تستفيد منها، ومنحاً صغيرة للأفكار والمبادرات، وبرامج لنقل المعرفة إلى الأجيال الجديدة، ومجالس خبراء مرتبطة بملفات الإعمار والإدارة والاقتصاد والتعليم والصحة والإعلام والهندسة والقانون.
هنا يصبح المال استثماراً، لا صدقة. وهنا تصبح الدولة وفية لا لأنها دفعت مبلغاً إضافياً، وإنما لأنها عرفت قيمة الإنسان الذي خدمها.
إن قضية المعاشيين ليست قضية أربعين ألفاً فقط.
إنها قضية أعمق بكثير: هل تقيس الدولة الإنسان بما ينتجه راتبه الآن، أم بما صنعته سنوات عمره كلها؟
إذا كان الجواب هو الثاني، فإن علينا أن نغيّر نظرتنا إلى المعاشي من جذورها.
فالذي غادر الوظيفة لا يعني أنه غادر الوطن.
والذي انتهت خدمته الرسمية لا يعني أن خدمته الوطنية انتهت.
والذي وضع القلم على مكتبه للمرة الأخيرة قد تكون في رأسه عشرات الصفحات التي لم تُكتب بعد.
فلا تطفئوا العقول التي أضاءت مؤسسات الدولة لعقود.أعطوا المعاشي حقه المالي كاملاً، واحفظوا له كرامته، ثم أعطوه ما هو أبقى من المنحة: أعطوه فرصة أن يعطي وطنه من جديد.
فالأربعون ألفاً قد تعبر شهراً…أما فكرة واحدة ناضجة من عقل خبير، فقد تعبر بالوطن سنوات.

شارك: تنزيل المقالة PDF
#مقالات رأي

أخبار ذات صلة

التالي وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي ماذا قال هارو... السابق في أول يومين: أكثر من 16 ألف طالب وطالبة يكمل...