الرئيسية / مقالات رأي / السفير القادم إلى محطة القاهرة... تعالَ...
مقالات رأي

السفير القادم إلى محطة القاهرة... تعالَ بطاقمك ولا تسمح بأن تحكمك شبكة المحطة بقلم: د. سعاد فقيري

هناك محطات دبلوماسية تحتاج إلى سفير جديد، وهناك محطات تحتاج إلى إعادة ترتيب كاملة لطريقة العمل.ومحطة القاهرة، بحكم ثقلها السياسي والقنصلي والشعبي، تحتاج إلى الاثنين معاً: قيادة جديدة، وإرادة إصلاح مؤس...

السفير القادم إلى محطة القاهرة... تعالَ بطاقمك ولا تسمح بأن تحكمك شبكة المحطة

بقلم: د. سعاد فقيري
2026-09-20 7 دقائق قراءة 16 مشاهدة

هناك محطات دبلوماسية تحتاج إلى سفير جديد، وهناك محطات تحتاج إلى إعادة ترتيب كاملة لطريقة العمل.
ومحطة القاهرة، بحكم ثقلها السياسي والقنصلي والشعبي، تحتاج إلى الاثنين معاً: قيادة جديدة، وإرادة إصلاح مؤسسي حقيقية.
ولذلك، فإن رسالتي إلى السفير القادم واضحة:
تعالَ إلى القاهرة بطاقمك الذي تثق بكفاءته، وتمسّك بهيكل وزارة الخارجية، ولا تجعل نفسك أسيراً لشبكة الموظفين والمتعاونين والمحليين والوسطاء الذين قد يجدهم السفير أمامه منذ اليوم الأول.
ليس لأن كل من سبق سيئ، ولا لأن كل موظف قديم متهم، وإنما لأن المؤسسة التي لا تراجع أوضاعها باستمرار تتحول بمرور الزمن إلى شبكة مصالح يصعب على القادم الجديد تفكيكها.
أولاً: لا تبدأ مهمتك من «من كان هنا؟» بل من «ما الذي تحتاجه المحطة؟»
من الأخطاء التي يمكن أن يقع فيها أي مسؤول جديد أن يأتي إلى موقعه فيجد مجموعة من الأشخاص يقولون له:
«نحن نعرف كل شيء.»
«نحن نعرف الجالية.»
«نحن نعرف المصريين.»
«نحن نعرف الملفات.»
«نحن نعرف من يدخل ومن يخرج.»
«اترك هذه الأمور لنا.»
وهنا تبدأ المشكلة.
فالموظف الذي يعرف تفاصيل العمل ميزة للمؤسسة، أما إذا أصبح هو المصدر الوحيد للمعلومة أو الوسيط بين السفير والمواطن أو صاحب القرار غير المعلن، فإن الخبرة تتحول إلى نفوذ.
والدولة لا تُدار بالنفوذ الشخصي.
الدولة تُدار بالمؤسسات واللوائح والاختصاصات.
ثانياً: الموظفون القدامى... الخبرة تُحترم، لكن الاستثناء لا يصبح قاعدة
وجود موظفين أصحاب خبرة أمر طبيعي ومفيد، ولكن السؤال الذي يجب أن يُطرح:
هل كل من ظل في المحطة سنوات طويلة ما زال يشغل وظيفة تحتاجها المؤسسة؟
وهل كل متعاون ما زال ضرورياً؟
وهل كل وظيفة محلية محددة بوضوح؟
وهل توجد عقود ووصف وظيفي وتقييم أداء؟
وهل هناك تضارب مصالح؟
وهل تتوافق أوضاع العاملين مع القوانين واللوائح المنظمة للعمل الدبلوماسي؟
هذه الأسئلة ليست استهدافاً لأحد.
بل هي أسئلة إصلاح مؤسسي واجبة.
لذلك نقترح أن يبدأ السفير الجديد بمراجعة شاملة وهادئة لكل العاملين:
الموظفون الرسميون – المتعاونون – المحليون – المتعاقدون – المستشارون – ومن يقدمون خدمات للسفارة.
والقاعدة بسيطة:
من يحتاجه العمل ويستوفي الشروط ويثبت كفاءته يستمر، ومن انتهت الحاجة إلى موقعه تُسوّى أوضاعه وفق القانون.
لا انتقام، ولا تصفية حسابات، ولا مجاملات.
ثالثاً: لا تسمح بوجود «موظف أقوى من وظيفته»
أخطر ما يمكن أن يحدث في أي مؤسسة أن تتجاوز سلطة الشخص سلطته الوظيفية.
فالموظف القنصلي موظف قنصلي.
والموظف الإداري موظف إداري.
والمستشار مستشار.
والسفير هو رئيس البعثة.
لا ينبغي أن توجد سلطة موازية غير مكتوبة.
ولا ينبغي أن يكون هناك شخص يستطيع تعطيل معاملة مواطن، أو تسريعها، أو توجيهه إلى جهة معينة، لأنه «يعرف الناس».
القرار يجب أن يخرج من المؤسسة، لا من العلاقات الشخصية.
رابعاً: السماسرة... عندما يصبح المواطن محتاجاً إلى وسيط للحصول على حقه
هذه واحدة من أخطر النقاط التي يجب أن تُحسم.
المواطن السوداني الذي يدخل السفارة يجب أن يعرف:
أين يقدم معاملته؟
ما المستندات المطلوبة؟
كم الرسوم؟
كم المدة؟
ومن المسؤول عن معاملته؟
وكيف يقدم شكواه؟
إذا كانت هذه المعلومات واضحة ومعلنة، فإن مساحة السمسرة تضيق.
أما إذا أصبحت الإجراءات غامضة، والموظفون غير متاحين، والملفات تتحرك عبر أشخاص خارج النظام، فإن البيئة تصبح خصبة للوسطاء.
ولهذا يجب أن تكون هناك قاعدة ذهبية:
لا وسيط بين المواطن والخدمة القنصلية.
ومن يريد مساعدة المواطن فليساعده داخل النظام، لا خارجه.
خامساً: شركة «ترابط» وأي جهة متعاقدة... المراجعة قبل الاستمرار
وأي شركة أو جهة تعمل مع السفارة يجب ألا تكون فوق المراجعة.
إذا كانت هناك شركات أو تعاقدات أو خدمات مسندة إلى جهات خارج الهيكل الرسمي، فيجب أن تخضع لـ:
مراجعة قانونية ومالية وإدارية.
ما طبيعة العقد؟
ما مبرراته؟
ما مدة التعاقد؟
ما المقابل المالي؟
ما الخدمة التي تقدمها؟
هل توجد بدائل داخل الهيكل الرسمي؟
وهل تحقق مصلحة الدولة والمواطن؟
فإن أثبتت المراجعة جدواها واستيفاءها للضوابط، تستمر وفق القانون.
وإن لم تثبت الحاجة إليها، تُتخذ الإجراءات القانونية المناسبة.
المؤسسة لا تخاف من المراجعة، بل تقوى بها.
سادساً: تعالَ بطاقمك... ولكن لا تغلق الباب أمام الكفاءات
عندما نقول للسفير:
«تعالَ بطاقمك»
فنحن لا نقصد أن يحضر معه مجموعة من الأصدقاء.
المقصود أن يعتمد على طاقم مهني من وزارة الخارجية والمؤسسات المختصة، وفق القوانين واللوائح، وبمعايير الكفاءة والخبرة.
وفي الوقت نفسه، لا ينبغي إهدار الكفاءات الموجودة لمجرد أنها عملت مع الإدارة السابقة.
المعيار ليس:
«قديم أم جديد؟»
بل:
«كفء أم غير كفء؟ ملتزم أم غير ملتزم؟ يخدم المؤسسة أم يصنع لنفسه مؤسسة داخل المؤسسة؟»
سابعاً: الجالية ليست شبكة علاقات شخصية
على السفير أن يتعامل مع جميع السودانيين في مصر على مسافة واحدة.
لا محاور.
لا جماعات مفضلة.
لا أشخاص يصبحون «المستشارين غير الرسميين» للسفير.
ولا ينبغي أن تتحول السفارة إلى مكان تدار فيه ملفات الجالية من خلال العلاقات الخاصة.
الجالية شريك، وليست جهازاً تابعاً للسفارة.
والسفارة مسؤولة عن خدمة الجميع دون تمييز.
ثامناً: أول مائة يوم... اجعلها مائة يوم مراجعة
نقترح على السفير القادم أن يجعل أول مائة يوم مرحلة تشخيص ومراجعة مؤسسية.
خلال هذه الفترة:
مراجعة الهيكل الوظيفي.
مراجعة ملفات جميع العاملين والمتعاونين والمحليين.
مراجعة العقود والتعاقدات.
مراجعة الخدمات القنصلية.
حصر المعاملات المتأخرة.
إنشاء نظام واضح للشكاوى.
مراجعة الرسوم والإجراءات وإعلانها للمواطنين.
حصر الوسطاء والجهات التي تتدخل في الخدمات.
وضع ضوابط واضحة للتواصل مع الجالية.
رقمنة أكبر قدر ممكن من الإجراءات.
تحديد المسؤوليات والصلاحيات كتابةً.
رفع تقرير إصلاحي لوزارة الخارجية بنتائج المراجعة.
وأخيراً... لا تسمح لـ«الوساوس والخنانيس» أن تسبقك إلى مكتبك
السفير الجديد يدخل محطة القاهرة ومعه مسؤولية كبيرة.
وقد يجد من يملأ أذنه منذ اليوم الأول:
«احذر من فلان.»
«اعتمد على فلان.»
«هذا الشخص لا غنى عنه.»
«هذه المجموعة هي التي تعرف القاهرة.»
«هذه الجهة لا يمكن الاستغناء عنها.»
وهنا نقول للسفير:
اسمع الجميع، ولكن لا تسلّم قرارك لأحد.
لا تجعل أحداً يحتكر المعلومة.
لا تجعل أحداً يحتكر علاقتك بالجالية.
لا تجعل أحداً يحتكر ملفات الدولة.
ولا تسمح بأن تكون هناك دولة داخل السفارة.
واجعل شعارك منذ اليوم الأول:
لا كبير على المؤسسة، ولا صغير على القانون، ولا خدمة بلا نظام، ولا قرار بلا مسؤولية.
يا سعادة السفير...
القاهرة لا تحتاج سفيراً تحكمه شبكة المحطة؛ بل تحتاج سفيراً يعيد المحطة إلى حكم المؤسسة.
تعالَ بفريق مهني، وافتح الملفات، وراجع العقود، وافحص الهيكل، واستمع للمواطن، واحترم الموظف الكفء، وأنهِ نفوذ السمسار، واضبط المتعاونين والمحليين، واجعل وزارة الخارجية هي المرجعية.
فإذا نجحت في ذلك، فلن تكون قد أدرت سفارة فحسب، بل ستكون قد قدمت نموذجاً لما يمكن أن تكون عليه الدبلوماسية السودانية الجديدة: دولة مؤسسات، لا دولة أشخاص.
القاهرة محطة مهمة... فلتكن محطة دولة.
والوطن فوق كل اعتبار.

شارك: تنزيل المقالة PDF
#مقالات رأي

أخبار ذات صلة

التالي ولاية شمال كردفان....مسائل عاجلة! محمد التج... السابق *🌏شبكة المحيط الإعلامية* *أضواء البيان ن...