الرئيسية / مقالات رأي / برحيل الخليفة ابن عمر... سقط ركن في دار...
مقالات رأي

برحيل الخليفة ابن عمر... سقط ركن في دار الريح! محمد التجاني عمر قش

هكذا حال الدنيا تنتقي الأخيار وتفجعنا برحليهم، مع أن الموت هو حقيقة ثابتة في حياة كل مخلوق، فإنك ميت وهم ميتون، وكل مصيبة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم جلل، ولكن رحيل رجل بقامة شيخ العرب الخليفة اب...

برحيل الخليفة ابن عمر... سقط ركن في دار الريح!

محمد التجاني عمر قش
2026-10-19 4 دقائق قراءة 72 مشاهدة

هكذا حال الدنيا تنتقي الأخيار وتفجعنا برحليهم، مع أن الموت هو حقيقة ثابتة في حياة كل مخلوق، فإنك ميت وهم ميتون، وكل مصيبة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم جلل، ولكن رحيل رجل بقامة شيخ العرب الخليفة ابن عمر محمد عبد الهادي فجيعة تتفطر لها القلوب وتزرف الدموع، فقد كان الراحل نسيجا وحده، فهو شيخ عرب، وعالم، وأديب وخطيب ومؤرخ وفارس لا يشق له غبار ونحن على ذلكم من الشاهدين؛ فقد عاصرناه طلابا في جامعة الخرطوم حيث كان يصول ويجول وتزلزل كلماته المنابر وترتجف لها قلوب خصومه من التيارات كافة. وما يميز الخليفة ابن عمر عن جيله أنه رجل جمع بين طبع البادية والحضر، فهو في مجالس المدينة ذلك الشخص الذي استوعب متطلبات ومخرجات الحياة العصرية، ووضعها في قوالبه الخاصة، ليخرجها للناس بأسلوبه المتفرد، فقد ملك ناصية اللغة والبيان والفصاحة ودقة التحليل والتعليل والمنطق الرصين، مع قلب خلا إلا من الإيمان واليقين والصبر على المكاره، مع قدرة نادرة على مقارعة الحجة بطريقة تناسب مقام من يخاطب، فهو هين تستخفه بسمة الطفل، ويرق قلبه للشيخ الكبير ويجل العالم، بيد أنه قوي يصارع الأجيال، ويتحدى الخطوب والمحن، راكز كجبل الحرازة.  
ومن جانب آخر كان ابن عمر رجلا تشرب قيم والبادية وعرف تقاليدها وخبر شأنها وعاش تجاريها في وديان دار الريح وكثبانها الرملية فإذا تحدث عنها شعرت كأنك أمام أحد خبراء الصحراء، وقد أناخ راحلته خارج الدار للتو، تراه يتوسط أهله بتواضع جم حتى لا تكاد تميزه من بينهم فهو يتحدث لهجتهم ويتلفع ثوبه كما يفعلون، وقد كانت أفئدة الناس تهوي إلى مجالسه حتى تسمع آذانهم وتصغي لكلامه الحلو، وضحكاته المعروفة فهي دون القهقهة وفوق الابتسام. لم يكن ابن عمر، رغم غزارة علمه واطلاعه وفصاحته باللغتين العربية، يسخر من جلسائه ومستمعيه، وإذا تحدث أعرب عن إلمام بعلوم ومعارف تغيب عن كثيرين غيره؛ لأنه رغم كثرة مشاغله وارتباطاته لم يكن يترك القراءة ابدا فهي بالنسبة له ممارسة يومية لا يتركها في حل أو ترحال. 
يضاف إلى ذلك أن شيخنا ابن عمر هو من أرومة عرفت بالصلاح والتقوى ونشر العلم وتعليم الناس كتاب الله وسنة رسوله، والسعي في قضاء حوائج الناس وتسوية خلافاتهم، وهذا هو ديدن السادة الدواليب، فهم أصحاب السجادة ومنارة العلم في خرسي وغيرها من ربوع الوطن. 
الخليفة ابن عمر، علاوة على علو كعبه في الثقافة والأدب، ومعرفته بدروب السياسة إلا أنها لم تشغله ولم تستحوذ على طموحه وتطلعاته، بل كان رجلا ملتزما بفكره وتوجهه لا لتين له قناة في سبيل الدفاع عما يعتقده حقا وصوابا.  وقد عرف الراحل بالكرم الحاتمي الفياض وحسن استقبال ضيوفه حتى أن داره لم تكد تخلو من طالبي المساعدة والمشورة من جميع فئات المجتمع. وبرحيل هذا الطود الشامخ تكون دار الريح والسودان عموما قد فقد ركنا راسخا في مجال العلم والثقافة والريادة، فهو من جيل عرف بالتميز والتفرد والصبر على المكاره ومقارعة الخطوب وتقلبات الدهر والابتلاءات من سجون وتشريد ومرض. وما كان ابن عمر هلكه هلك واحد ولكنه بنيان قوم تهدما.
وبفقد ابن عمر اعتبر نفسي قد فقدت صديقا عزيزا وأستاذا جليلا أفدت من علمه كثيرا سواء بحضور مجالسه في داره العامرة في الخرطوم حيث كنت أزوره كلما وجدت فرصة فأنهل من فيض علمه وأدبه أو عبر الهاتف كلما عنّ لي سؤال أو احتجت لمعلومة فكان يتوسع في الإجابة انطلاقا من خلفيته الثقافية والأدبية والتاريخية الثرة.
اللهم ارحم عبدك ابن عمر ويسر حسابه ويمين كتابه وأجعل قبره روضة من رياض واجمعنا به في الرفيق الأعلى مع النيبين والصديقين والشهداء، وعزاؤنا لأسرته الكريمة ولمعارفه وزملائه وأحبابه في داخل السودان وخارجه، ونحن إذ ننعيه لا نقول إلا ما يرضي الله، وإنا لفراقك يا ابن عمر لمحزنون، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

شارك: تنزيل المقالة PDF
#مقالات رأي

أخبار ذات صلة

السابق وجه الحقيقة | د. إبراهيم شقلاوي السودان.....