الرئيسية / مقالات رأي / الولاية الشمالية تضع يدها على الطريق الص...
مقالات رأي

الولاية الشمالية تضع يدها على الطريق الصحيح… حين تنتصر هيبة الدولة لحقوق المواطن *بقلم: د. سعاد فقيري*

في خطوة تستحق التوقف عندها والتأمل في دلالاتها، يأتي القرار الصادر عن اللجنة الفنية لمنع التحصيل غير القانوني بوزارة العدل، بشأن إيقاف التحصيل غير القانوني في طوافات الميناء الطارئ بالولاية الشمالية،...

الولاية الشمالية تضع يدها على الطريق الصحيح… حين تنتصر هيبة الدولة لحقوق المواطن

*بقلم: د. سعاد فقيري*
2026-10-29 6 دقائق قراءة 16 مشاهدة

في خطوة تستحق التوقف عندها والتأمل في دلالاتها، يأتي القرار الصادر عن اللجنة الفنية لمنع التحصيل غير القانوني بوزارة العدل، بشأن إيقاف التحصيل غير القانوني في طوافات الميناء الطارئ بالولاية الشمالية، وإزالة نقطة التحصيل المعنية فوراً، ليعيد إلى الواجهة قضية جوهرية تتعلق بهيبة الدولة، وسيادة القانون، وحماية المواطن من الأعباء المالية التي لا تستند إلى سند قانوني واضح.
إننا حين نشيد بخطوة من هذا النوع، فإننا لا نجامل مسؤولاً ولا نمنح صكوك براءة لأحد، وإنما نؤكد أن الدولة التي تستمع إلى شكاوى مواطنيها، وتراجع الممارسات التي تثقل كاهلهم، وتتحرك لإيقاف أي تحصيل غير مشروع، هي دولة تمضي في الاتجاه الذي ينتظره منها الناس.
*الولاية الشمالية… لقد أدركتم الطريق الصحيح، فامضوا فيه حتى النهاية.*
إن المواطن السوداني، الذي أنهكته ظروف الحرب وارتفاع تكاليف المعيشة وتعقيدات الحياة اليومية، لم يعد يحتمل رسوماً إضافية تُفرض عليه دون وضوح في أساسها القانوني، أو تحصيلات لا يعرف أين تذهب حصيلتها، ولا الجهة التي أقرتها، ولا الخدمة التي تقابلها.
ومن هنا، فإن القضية لا تتعلق بمبلغ يُحصّل على شاحنة أو مركبة فحسب، بل بمبدأ أكبر: *لا جباية بلا قانون، ولا رسوم بلا سند، ولا أموال عامة خارج الرقابة والمراجعة والمحاسبة.*
أولاً: هيبة الدولة تبدأ من احترام القانون
ليست هيبة الدولة في كثرة نقاط التحصيل، ولا في تعدد النوافذ التي يدفع عندها المواطن، وإنما في وضوح القوانين، وعدالة تطبيقها، وقدرة المؤسسات على حماية الحقوق ومنع التجاوزات.
وإذا كانت اللجنة الفنية بوزارة العدل قد رأت، وفق ما ورد في القرار المنشور، أن التحصيل المعني غير قانوني، فإن المطلوب هو تنفيذ القرار بصورة واضحة، والتحقق من توقف التحصيل فعلياً، وعدم إعادة إنشاء النقطة نفسها تحت مسمى آخر أو بواسطة جهة أخرى.
كما ينبغي مراجعة الأساس القانوني لجميع الرسوم المفروضة على حركة السلع والشاحنات، مع التمييز بين الرسوم المعتمدة قانوناً وبين أي مبالغ لا تستند إلى تشريع أو تفويض صحيح.
ثانياً: المواطن لا يريد قراراً مكتوباً فقط
إن قيمة القرار لا تُقاس بتوقيعه أو ختمه، بل بأثره المباشر على حياة الناس.
فالمواطن يريد أن يرى انخفاضاً في الأعباء غير المشروعة، وأن تتحرك السلع دون تعقيدات مالية لا مبرر لها، وأن يشعر أصحاب الشاحنات والتجار بأن هناك جهة تحميهم من أي تجاوز، دون أن يعني ذلك إعفاءهم من الرسوم القانونية المستحقة.
ولذلك، فإننا ننتظر من حكومة الولاية الشمالية والجهات التنفيذية المعنية أن تتابع تنفيذ القرار ميدانياً، وأن تعلن للرأي العام ما تم اتخاذه من إجراءات، وأن تفتح باب الشكاوى أمام المتضررين، مع ضمان عدم تعرضهم لأي تضييق بسبب المطالبة بحقوقهم.
ثالثاً: من إيقاف التحصيل غير القانوني إلى إصلاح منظومة الجباية
إن الخطوة المهمة لا ينبغي أن تتوقف عند إزالة نقطة تحصيل واحدة؛ بل يجب أن تكون مدخلاً لمراجعة شاملة لمنظومة الرسوم والتحصيل في الولاية.
ونقترح في هذا السياق:
1. حصر جميع نقاط التحصيل على الطرق والمداخل والمعابر، وتحديد الجهة المسؤولة عن كل نقطة.
2. *نشر الرسوم القانونية المعتمدة* بصورة واضحة، بما يشمل قيمتها وأساسها التشريعي والجهة التي تتولى تحصيلها.
3. *التحول إلى التحصيل الإلكتروني* كلما أمكن، مع إصدار إيصالات رسمية قابلة للتحقق، بما يقلل التعاملات النقدية المباشرة ويعزز الشفافية.
4. *تفعيل الرقابة والمراجعة المالية* على الإيرادات المحصلة، والتأكد من توريدها إلى الحسابات الرسمية المعتمدة.
5. *إنشاء آلية لتلقي الشكاوى* من المواطنين والتجار وأصحاب الشاحنات، مع تحديد مدة زمنية لمعالجة كل شكوى.
6. محاسبة كل من يثبت تجاوزه للقانون*وفق الإجراءات القانونية، دون تشهير أو اتهام مسبق، وبما يضمن العدالة للجميع.
رابعاً: رسالة إلى القائمين على أمر الولاية الشمالية
السيد والي الولاية الشمالية، والسادة المسؤولون عن الأجهزة التنفيذية والمالية والرقابية، إن هذه اللحظة تتيح لكم فرصة مهمة لترسيخ الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
فالمواطن لا يطلب المستحيل؛ إنه يريد فقط أن يعرف ما الذي يدفعه، ولماذا يدفعه، ومن الذي يملك الحق في تحصيله، وأين تذهب أمواله.
إن الإيرادات العامة ضرورة لتمويل الخدمات والتنمية، لكن مشروعيتها لا تنفصل عن قانونيتها. والولاية التي تريد زيادة مواردها تستطيع أن تفعل ذلك من خلال توسيع النشاط الاقتصادي، ومحاربة التهرب، وتحسين إدارة الموارد، وجذب الاستثمار، لا بترك المواطن فريسة لتحصيلات غير واضحة الأساس القانوني.
كما أن حماية المواطن لا تعني تعطيل مؤسسات الدولة أو حرمانها من حقوقها المشروعة، وإنما تعني تنظيم العلاقة بين الطرفين على أساس القانون والشفافية والمساءلة.
خامساً: نريد أن يصبح القرار سياسة مستدامة
إننا نثمّن المبدأ الذي يعكسه هذا القرار، وندعو إلى البناء عليه حتى لا يظل مجرد معالجة لحالة بعينها، بل يتحول إلى نهج إداري ملزم في جميع مؤسسات الولاية.
فإذا ثبت وجود تحصيل غير قانوني، وجب إيقافه. وإذا ثبتت مشروعية رسم معين، وجب تحصيله وفق الإجراءات المعتمدة، مع إعلان قيمته وإصدار مستند رسمي به. وإذا ظهرت مخالفات مالية، وجب إخضاعها للمراجعة والتحقيق وفق القانون.
بهذه المعادلة وحدها نستطيع حماية المال العام دون إرهاق المواطن، وتعزيز سلطة الدولة دون المساس بحقوق الناس.
ختاماً:
إلى القائمين على أمر الولاية الشمالية: لقد أدركتم، من خلال هذه الخطوة، أهمية العودة إلى القانون حين تتعارض الممارسة مع مقتضياته. فاجعلوا من هذا القرار بداية لمرحلة جديدة عنوانها الانضباط المؤسسي، والشفافية المالية، وحماية حقوق المواطنين.
ونقولها بوضوح: إن السودان، وهو يخوض معركة استعادة مؤسساته وإعادة بناء دولته، يحتاج إلى إدارة لا تكتفي بجمع الإيرادات، بل تحسن توظيفها، ولا تكتفي بإصدار القرارات، بل تتابع تنفيذها، ولا تنتظر تفاقم الشكاوى، بل تبادر إلى معالجتها.
*الوطن لا يُبنى بإرهاق المواطن، وهيبة الدولة لا تُصان إلا بسيادة القانون، والمال العام لا يُحمى إلا بالشفافية والمحاسبة.*
فلنجعل من هذه الخطوة بداية لإصلاح أوسع، تكون فيه كرامة المواطن وحقوقه جزءاً أصيلاً من قوة الدولة، لا عبئاً عليها.

*الوطن فوق كل اعتبار.*

شارك: تنزيل المقالة PDF
#مقالات رأي

أخبار ذات صلة

التالي كابوية سبب بقاء إدريس حتى وإن فشل. السابق نص خطاب السودان في دورة الانعقاد الثالثة للقم...