الرئيسية / مقالات رأي / وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي لجنة الت...
مقالات رأي

وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي لجنة التهيئة.. إلى إدارة الحوار؟

من خلال متابعتي لأعمال لجنة تهيئة الحوار السوداني ، يتضح أن اللجنة راكمت رصيداً مهماً من الاتصالات بالقوى السياسية والمجتمعية، ووسّعت انفتاحها على الأطراف الإقليمية والدولية. ويضع هذا التقدم اللجن...

وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي

لجنة التهيئة.. إلى إدارة الحوار؟
2026-10-15 5 دقائق قراءة 14 مشاهدة

من خلال متابعتي لأعمال لجنة تهيئة الحوار السوداني ، يتضح أن اللجنة راكمت رصيداً مهماً من الاتصالات بالقوى السياسية والمجتمعية، ووسّعت انفتاحها على الأطراف الإقليمية والدولية. ويضع هذا التقدم اللجنة أمام ضرورة الانتقال من مرحلة التهيئة إلى إدارة الحوار، عبر تحويل ما تحقق إلى مسار سياسي واضح المراحل والمواقيت، يستند إلى خارطة طريق تنقل الحوار من النوايا إلى الفعل، ومن الاتصالات إلى النتائج.

نجحت اتصالات اللجنة بالاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية ومجموعة الخماسية، إلى جانب عدد من الدول العربية والأوروبية. وتمثل دعوة رئيس بوروندي، الرئيس الحالي للاتحاد الأفريقي، اللجنة لزيارة بلاده، بالتزامن مع طرحه مبادرة للحل السياسي، فرصة لتعزيز التشاور. غير أن اهمية هذا النجاح، تظل مرهونة بقدرته على إسناد مسار وطني يمتلكه السودانيون، ويحددون أولوياته ومراحله ومآلاته، مع توظيف الدعم الخارجي دون المساس باستقلال قرار البلاد.

فالدعم الخارجي مطلوب لكنه ،لا يصنع توافقاً  بالنيابة عن السودانيين، مثلما أن كثرة اللقاءات لا تعني بالضرورة الاقتراب من الحوار. لذلك التحدي الحقيقي هو تحويل حصيلة المشاورات إلى أرضية مشتركة بين الاحزاب والكيانات تتيح الانتقال الي إدارة الاختلاف وبناء التوافق.

ومن وجهة نظري، لا يتطلب ذلك إلغاء اللجنة القائمة أو القفز فوق مهمتها، بل تطويرها عبر مرحلة تحضيرية محددة زمنياً، تُستكمل خلالها الترتيبات السياسية والتنظيمية اللازمة، مع الاستعانة بشخصيات مستقلة وموثوقة، ذات خبرة في إدارة الخلافات وتحظى بالاحترام والقبول. ثم يتسع الإطار عند إدارة الحوار ليشمل ممثلين عن الكتل السياسية والقوى المجتمعية والكيانات، وفق معايير معلنة تضمن جدية المشاركة وتوازن التمثيل.

وفي تقديري، فإن أحد أبرز التحديات يتمثل في احتمال التحاق بعض القوى السياسية الموجودة بالخارج بالحوار بصورة منفردة، بما قد يفضي إلى انقسامات داخل مكوناتها، أو يعيد إنتاج استقطابات أضعفت تجارب سابقة.

 لذلك فإن حرص اللجنة على استيعاب الجميع ومنحهم مساحة للتفاهم  يمثل ضرورة سياسية، فالشمول لا يعني كثرة المشاركين فقط، بل سلامة تمثيلهم وقدرتهم على التعبير عن المكونات دون تفكيكها. والمطلوب هو التوفيق بين توسيع المشاركة وعدم ترك العملية رهينة انتظار دون أجل.

ولتحقيق ذلك أقترح أن تتبنى اللجنة خارطة طريق تنفيذية تبدأ باستكمال التهيئة خلال فترة زمنية معلنة، عبر حصر مواقف القوى السياسية والمجتمعية، وتحديد نقاط الاتفاق والخلاف، وفتح قنوات تواصل مع الأطراف التي لم تحسم مشاركتها. يلي ذلك الانتقال إلى مرحلة تحضيرية تتولى وضع معايير التمثيل، وجدول أعمال الحوار، وقواعد إدارة الجلسات، وآليات اتخاذ القرار، وضمانات المشاركة، على أن تُستكمل هذه الترتيبات في موعد محدد، لا أن تتحول إلى مرحلة جديدة من المشاورات.

ثم تبدأ بانطلاق الحوار وفق جدول زمني معلن، وبأجندة ترتب الأولويات ومعالجة الأزمة الإنسانية إلى قضايا السلام والعدالة وعودة النازحين واللاجئين وإعادة الإعمار ومستقبل الدولة. ولا يكفي أن ينتهي الحوار إلى بيان سياسي، بل ينبغي أن تُترجم مخرجاته إلى اتفاق يتضمن التزامات محددة، وجهات مسؤولة عن التنفيذ، ومواعيد زمنية، وآلية مستقلة للمتابعة والتقييم، مع نشر تقارير دورية تعزز الشفافية والمساءلة.

تحرص اللجنة على تهيئة الظروف لمشاركة القوى السياسية مجتمعة، تجنباً لانقسامات قد تؤثر في فرص نجاح الحوار. لكن هذا الحرص ينبغي ألا يتحول إلى شرط لتعطيل انطلاقه أو رهنه بعودة الممتنعين، فمشاركة بعض القوى يمكن أن تشكل بداية تتسع تدريجياً، مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام الآخرين وفق قواعد معلنة. فالشمول غاية مطلوبة، لكنه لا يبرر الانتظار المفتوح، في ظل أوضاع لا تحتمل التعطيل. والمطلوب هو الموازنة بين اتساع المشاركة والالتزام بسقف زمني للحوار ونتائجه.

كذلك يجب ألا يظل الحوار محصوراً في النخب السياسية، فالشباب والنساء والنازحون واللاجئون والمكونات المحلية أطراف أصيلة في مستقبل السودان، وينبغي أن تنعكس احتياجاتهم في جدول الأعمال. فملكية الحوار  تتحقق بقدرة المواطنين ومكوناتهم  على التأثير في قضاياه ونتائجه. كما أن انعقاد الحوار داخل البلاد، يعزز ملكيته الوطنية وصلته بالمواطنين.

فالتهيئة التي لا تقود إلى الحوار تفقد غايتها، والحوار الذي لا تقترن مخرجاته بالتنفيذ يفقد معناه. وبلادنا تحتاج اليوم إلى عملية سياسية، تجمع كافة أطرافه دون اقصاء، وتؤسس للسلام على قاعدة الشمول والملكية الوطنية، وتحوّل التوافق من وعد سياسي إلى التزام قابل للتنفيذ والمساءلة.

 بحسب #وجه_الحقيقة،فإن لجنة التهيئة تقف اليوم أمام فرصة للانتقال من إدارة الاتصالات إلى إدارة المسار السياسي ومن التهيئة إلى إدارة الحوار، لذلك المطلوب الآن ليس لجنة جديدة، بل خارطة طريق تحدد المراحل والمسؤوليات والمواقيت، وتربط كل خطوة بنتيجة ملموسة. فالمواطن الذي أنهكته الحرب منذ 15 أبريل 2023 لا ينتظر اكتمال الهياكل، بل يريد أن يرى طريقاً واضحاً نحو استعادة الأمن والسلام.

دمتم بخير وعافية

الخميس 15 اكتوبر 2026م.    Shglawi55@gmail.com

شارك: تنزيل المقالة PDF
#مقالات رأي

أخبار ذات صلة

السابق عبود عبدالرحيم يكتب : الغلاء.. بين عجز حكومة...