الرئيسية / مقالات رأي / د. حيدر البدري... يكتب.. في نقطة سطر جدي...
مقالات رأي

د. حيدر البدري... يكتب.. في نقطة سطر جديد.. الجحيم الاقتصادي.. هل تهزمنا معركة المعاش؟

.. ليست الحروب وحدها هي التي تُنهك الشعوب، فثمة حروب أخرى تدور في تفاصيل الحياة اليومية، لا تُسمع فيها أصوات المدافع، لكنها تترك في النفوس جراحاً عميقة، وتضع الناس أمام امتحان البقاء. إذ تبدو معركة ال...

د. حيدر البدري... يكتب.. في نقطة سطر جديد.. 

الجحيم الاقتصادي.. هل تهزمنا معركة المعاش؟
2026-10-16 3 دقائق قراءة 34 مشاهدة

.. ليست الحروب وحدها هي التي تُنهك الشعوب، فثمة حروب أخرى تدور في تفاصيل الحياة اليومية، لا تُسمع فيها أصوات المدافع، لكنها تترك في النفوس جراحاً عميقة، وتضع الناس أمام امتحان البقاء. إذ تبدو معركة المواطن مع لقمة العيش اليومية والخدمات الأساسية وكأنها جبهة أخرى لا تقل قسوة عن جبهات القتال.

تعطُّل التطبيقات المصرفية، وتعثر التحويلات المالية بين البنوك، وتأخر وصول الأموال إلى أصحابها، وانعدام الكاش، مشكلات لم تعد مجرد أعطال تقنية عابرة، بل تحولت إلى معاناة يومية تعطل مصالح الناس، وتربك الأسواق، وتضاعف أوجاع الذين لا يملكون سوى مدخرات محدودة يتنقلون بها بين ضرورات الحياة. وحين تصبح الأموال موجودة في الحسابات، لكن الوصول إليها عسيراً، فإن المواطن يجد نفسه محاصراً بين الحاجة والعجز.

أما الغلاء، فقد تجاوز حدود الاحتمال. مرتبات ضعيفة تتآكل قيمتها أمام ارتفاع الأسعار، وأسر تكافح لتوفير الطعام والدواء والإيجار، في اقتصاد هش أنهكته الحرب، وتراجعت فيه فرص العمل والإنتاج، واضطربت سلاسل الإمداد والتجارة. وأصبحت الكهرباء تنقطع ساعات طويلة، والمياه تشح أو تنعدم في مناطق عديدة، فيما ترتفع تعريفة المواصلات، ويقف الناس في صفوف الوقود، والخبز ،  بينما يعجز كثيرون عن توفير الحد الأدنى من احتياجاتهم.

هذا هو الجحيم الاقتصادي بكل ما تحمل الكلمة من معنى؛ جحيم لا يُقاس بالأرقام وحدها، بل بقلق الأب حين يعود إلى منزله خالي اليدين، وبحيرة الأم أمام احتياجات أطفالها، وبانكسار الموظف الذي يعمل شهراً كاملاً ثم يكتشف أن راتبه لا يكفي انبوبة غاز. 

نحن نفهم تداعيات الحرب، وندرك أن تدمير البنية التحتية وتعطل الإنتاج وتراجع الإيرادات والإنفاق العسكري تفرض أثماناً باهظة. لكن تفهّم الأسباب لا يعني الاستسلام للنتائج، ولا يعفي مؤسسات الدولة من مسؤوليتها تجاه مواطن أنهكته الضرورات.

قد لا تُهزم الدولة عسكرياً، لكنها تخاطر بخسارة ثقة مواطنيها إذا عجزت عن حماية الحد الأدنى من مقومات الحياة. فالصمود في الميدان يحتاج إلى مجتمع قادر على العيش، وجندي مطمئن إلى أسرته، ومواطن يشعر بأن تضحياته لا تُترك بلا مقابل.

إن معركة الكرامة لا تكتمل بانتصار السلاح وحده؛ بل بانتصار الحياة على العوز. لن ننهزم عسكرياً، لكن واجب الدولة ألا تترك المواطن يواجه وحده معركة الجوع والعطش والمرض. فماذا يعني تحرير الأرض إذا ظل أهلها أسرى للفقر والعجز والمعاناة.

نقطة سطر جديد.

شارك: تنزيل المقالة PDF
#مقالات رأي

أخبار ذات صلة

السابق بدعم من مركز الملك سلمان التنمية الاجتماعية و...